تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
شرح
- الملاقي - وتساقطا ، وبقي أصل الطهارة في الملاقي ، وكذلك في الملاقى بعد رجوعه إلى محلّ الابتلاء بلحاظ باقي الآثار بلا معارض ، أمّا الأوّل ، فلأنّ معارضه سقط في رتبة سابقة ، وأمّا الثاني ، فلأنّ معارضه سقط في زمان سابق ، ومن هنا يتّضح أنّنا لو آمنّا بكلا المبنيين - أعني كفاية التقدّم الرتبي وكفاية التقدّم الزماني - فهما لا يتعاكسان في التأثير ، باعتبار أنّ أصل طهارة الملاقي سابق زمانا ، وأصل طهارة الملاقى سابق رتبة ، فأيّ العلمين هو الَّذي يحلّ الآخر ؟ فالصحيح : أنّ كلا التقدّمين يؤثّر أثره ، ولا تضارب بين الأثرين ، فيسقط أصل طرف الملاقى مع أصل الملاقى بلحاظ أثره في الملاقي ، ويجري الأصل في الملاقي وفي الملاقى بلحاظ باقي الآثار ، وذلك لأنّ أصل الطهارة في الملاقى قد انحل إلى أصل بلحاظ أثر طهارة الملاقي ، وإلى أصل بلحاظ باقي الآثار ، والأوّل يتقدّم بالتقدّم الرتبي ، ولا يعاكسه تقدّم زماني ، فهو الَّذي يتعيّن للسقوط بالتعارض مع أصل طرف الملاقى ، وينجو كلّ من الأصل في الملاقي ، والأصل في الملاقى بلحاظ باقي الآثار من التعارض . نعم ، يمكن فرض التعاكس والتضارب بين المبنيين على تقدير الإيمان بهما معا في فرع آخر ، وهو ما لو علمنا أولا إجمالا بنجاسة الملاقي أو طرف الملاقى ، ثم علمنا بأنّ النجس المعلوم إن كان هو الملاقي فنجاسته إنّما نشأت من ملاقاته للملاقى ، فعلمنا إجمالا بنجاسة الملاقى أو طرفه ، فهنا يكون الأصل في الملاقي سابقا زمانا ، والأصل في الملاقى سابقا رتبة ، ولم يكن الأصل السابق رتبة جاريا في الزمان السابق حتى بلحاظ أثر الملاقي ، لأنّنا لم نكن نعلم أصلا أنّ النجاسة المعلومة لو كانت في طرف الملاقي فقد نشأت من الملاقاة ، فهنا قد يتصور أنّ المبنيين يتعاكسان ، فمقتضى مبنى كون العبرة في التقدّم الزماني هو جريان الأصل في الملاقى ، لأنّ الأصل في الملاقي مع طرف الملاقى تساقطا في زمان سابق ، ومقتضى مبنى كون العبرة بالتقدّم الرتبي هو جريان الأصل في الملاقي ، لأنّ الأصل في الملاقى مع طرفه تساقطا في رتبة سابقة ، فلو آمنّا بكلا المبنيين فكيف التوفيق في المقام ؟ والجواب : أنّ التقدّم الزماني هو الَّذي يؤثّر في المقام دون التقدّم الرتبي ، والسرّ في ذلك هو أنّ التقدّم الرتبي إنّما يوجب حكومة الأصل على الأصل المتأخّر رتبة عنه ، المعاصر زمانا له ، ولا يوجب حكومته على الأصل في زمان سابق عليه ، لأنّه في ذاك الزمان لم يكن موجودا ، ولا معنى لحكومة أصل لا وجود له على أصل موجود ، فذاك الأصل لو حكم على الأصل الآخر ، وتقدّم عليه ، فإنما يحكم عليه ويتقدّم عليه ، من حين وجوده ، ولذا نرى أنّ من يؤمن بمبنى الانحلال على أساس التقدّم الرتبي فحسب ، دون التقدّم الزماني ، إنّما يقول في هذا الفرع بجريان الأصل في الملاقي ونجاته عن المعارض بعد حصول العلم الإجمالي الثاني ، لأنّه - عندئذ - سقط معارضه بأصل حاكم ومقدّم عليه ، ولا يشكّ في وجوب الاجتناب عنه قبل ولادة العلم