وبعد ذلك رجع الملاقى إلى محلّ الابتلاء ، فهنا يقال بعدم وجوب الاجتناب عن الملاقى ، ووجوبه عن الملاقي ( 1 ) . وهذا البحث لا موضوع له بناء على مبنانا من عدم الفرق بين الملاقي والملاقى في وجوب الاجتناب ، وعدم تماميّة شيء من وجوه الانحلال ، إلَّا أنّنا نتكلَّم في هذا الفرع مبنيّا على مبنى القوم . والكلام في ذلك يقع في جهات ثلاث : الأولى : في حكم الملاقي عند حصول العلم الإجمالي بالنجاسة ، وقبل رجوع الملاقى إلى محلّ الابتلاء . والثانية : في حكم الملاقى بعد رجوعه إلى محلّ الابتلاء . والثالثة : في حكم الملاقي بعد رجوع الملاقى إلى محلّ الابتلاء . أمّا الجهة الأولى : فالحكم فيها يختلف باختلاف المباني ، وقد ذكرنا فيما سبق مباني أربعة للانحلال ، وعدم وجوب الاجتناب عن الملاقي ، وتلك المباني تختلف في جريانها وإثبات عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي هنا وعدمه . فالمبنى الأوّل : كان عبارة عن الانحلال بملاك تعارض الأصل في طرف الملاقى في زمان سابق مع الأصل في الملاقى وتساقطهما ، فيبقى الأصل في الملاقي سليما عن المعارض ، ويجري وإن لم ينحل بذلك الأثر العقلي للعلم الإجمالي ، وهو اقتضاء التنجيز لا العلَّيّة ، فإنّ مجرّد الاقتضاء لا يمنع عن جريان أصل واحد في أحد الطرفين ، وهذا المبنى - كما ترى - لا يثبت هنا عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي ، لأنّ الأصل في طرف الملاقى لم يكن في زمان سابق مبتلى بالمعارض ، فالآن يعارض الأصل في الملاقي . والمبنى الثاني : كان عبارة عن الانحلال - بناء على الاقتضاء أيضا - بملاك تعارض الأصل في طرف الملاقى مع الأصل في الملاقى في رتبة سابقة ، فيبقى الأصل في الملاقي سليما عن المعارض ، وهذا المبنى يجري في المقام ويثبت عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي ، لأنّ الأصل في طرف الملاقى قد ابتلي من الآن بالتعارض مع الأصل في الملاقى ، لأنّه أصبح الآن مجرى للأصل بالرغم من خروجه عن محلّ الابتلاء ، وذلك بلحاظ أثر النجاسة للملاقي ، فالملاقي يكون مجرى لأصالة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 282
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٨٢
هامش
( 1 ) راجع الكفاية : ج 2 ، ص 227 حسب الطبعة المشتملة على تعليق المشكيني ، ونهاية الدراية : ج 2 ، ص 260 - 261 . .