وهذه المباني الثلاثة تقدّمت في الأبحاث السابقة .
والرابع : تعميم التقدّم للتقدّم الرتبي ، وعدم تخصيصه بالتقدّم الزماني ، فكما يقال في فرض التقدّم الزماني : إنّه لا علم بحدوث التكليف في هذا الزمان ، كذلك يقال في فرض التقدّم الرتبي : إنّه لا علم بحدوث التكليف في هذه الرتبة .
أقول : يرد على هذا الطرز من التفكير نقض واضح ، وهو النقض بما لو كان العلم الإجمالي مسبوقا بالشكّ البدوي في أحد الطرفين ، فإنّ كنّا نشترط في منجّزية العلم الإجمالي كونه علما بحدوث التكليف ففي مورد النقض لا علم لنا بحدوث التكليف ، لاحتمال كون التكليف الَّذي علمناه هو بقاء لنفس التكليف الَّذي احتملناه سابقا . وإن قلنا : إنّه لا يشترط في تنجيز العلم الإجمالي ذلك ، فيكفينا العلم بأصل التكليف ، وإن كان بقائيا على بعض التقادير ، فلما ذا يفترض في المقام أنّ العلم الإجمالي السابق يحلّ العلم الإجمالي اللاحق ؟ إلَّا أن يوجّه كلام الميرزا بافتراض أنّه بروحه يرجع إلى الصياغة الضيائيّة وإن اختلف عنها في التعبير ، وسمّاه بالانحلال الحقيقي ، فواقع مرامه هو أنّ المنجّز لا يقبل التنجيز مرّة أخرى ، فإذا مزجنا بين الصياغة الضيائية - في باب الانحلال من ناحية - ودعوى المحقق النائيني رحمه اللَّه لكون العبرة بالتقدّم المعلومي لا العلمي ، استنتجنا في المقام : إنّ العلم الإجمالي في الملاقى أو طرفه يحلّ دائما العلم الإجمالي في الملاقي أو طرف الملاقى .
وبعد هذا نقول : إنّ المباني الأربعة التي شرحناها لإثبات الانحلال في المقام كلَّها قابلة للنقاش ، إلَّا أنّ بعضها يناقش لو أردنا أن نأخذ في المقام بالمزج بين الصياغة الضيائيّة ودعوى كون العبرة بالتقدّم المعلومي لا العلمي ، وبعضها يناقش مطلقا - أي سواء أخذنا بالصياغة الضيائيّة أو بالصياغة الميرزائيّة - وتوضيح ذلك بما يلي :
أولا : أنّ المبنى الأوّل - وهو انحلال العلم الإجمالي بمجرّد قيام منجّز في أحد طرفيه - غير صحيح ، لا بصياغته الميرزائيّة - وهي عدم كون العلم علما بحدوث التكليف - ولا بصياغته الضيائيّة - وهي أنّ المنجّز لا يتنجّز على ما مضى بيان ذلك في الأبحاث السابقة - .
وثانيا : لو سلَّمنا انحلال العلم الإجمالي بقيام منجّز في أحد طرفيه ، وذلك بصياغته الضيائيّة - التي هي أوجه - لا نسلَّم المبنى الثالث - أعني كون العبرة بالتقدّم
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 275
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٧٥