العقلي للعلم الإجمالي ، وإنّما ركَّزا على إنجاء الأصل الملاقي عن المعارض ، وصيرورته مانعا عن وجوب الموافقة القطعيّة ، ومن الطبيعي - عندئذ - عدم جريان البراءة العقليّة ، لأنّ الاقتضاء العقلي ثابت على حاله ، كما أنّه من الطبيعي - عندئذ - اختصاص تمامية التقريبين بفرض اقتضاء التنجيز لوجوب الموافقة القطعيّة ، إذ بناء على العلَّيّة بعد فرض ثبوت الاقتضاء العقلي على حاله لا يبقى مجال لجريان الأصل - ولو كان واحدا - ولا معنى لمنعه عن وجوب الموافقة القطعيّة .
وأمّا الوجهان الأخيران فيبطلان أصل الاقتضاء العقلي ، فلا يبقى مانع عن جريان البراءة العقليّة ، ولا يفترق الحال في بطلان أصل الاقتضاء العقلي للعلم الإجمالي بين كون ذلك عبارة عن تأثيره بنحو العلَّيّة أو تأثيره بنحو الاقتضاء .
أمّا بيان أصل هذا التطبيق - الَّذي اختاره المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه في المقام لمبناه في الانحلال على مورد ملاقاة بعض أطراف العلم الإجمالي - فهو أنّه رحمه اللَّه يقول بانحلال العلم الإجمالي المتأخّر بالعلم الإجمالي المتقدّم ، ويرى أنّ الميزان هو التقدّم والتأخّر بحسب المعلومين ، فالمتأخّر معلوما ينحلّ بالمتقدّم معلوما ، وإن فرض تقارنهما من حيث العلم أو تعاكس العلمين للمعلومين في التقدّم والتأخّر ، ولا يفرّق رحمه اللَّه في ذلك بين التقدّم الزماني والتقدّم الرتبي ، وعلى هذا يقول فيما نحن فيه :
إنّ العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى أو طرفه يوجب دائما انحلال العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي أو طرف الملاقى ، لأنّ المعلوم الثاني وإن لم يكن دائما متأخّرا عن المعلوم الأوّل زمانا لإمكان معاصرة زمان انفعال الملاقى أو طرفه لزمان الملاقاة ، ولكنّ التأخّر الرتبي ثابت دائما ، ولم يأت في تقرير بحثه بيان لإثبات هذا التأخّر الرتبي ، عدا أنّ نجاسة الملاقي - لو كان نجسا - مسببة عن نجاسة الملاقى ومتأخّرة عنها ، ففي هذه المرتبة المتأخّرة لا علم بحدوث التكليف ، إذ لعلّ النجس هو طرف الملاقى ، وعليه لا يكون هنا تكليف حادث .
وتقريب الانحلال بهذا النحو في المقام في الحقيقة عبارة عن التطبيق لمباني المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه في الانحلال على المقام التي هي أربعة :
الأوّل : دعوى انحلال العلم الإجمالي بقيام منجّز في أحد طرفيه .
والثاني : تعميم هذه الدعوى لفرض كون ذاك المنجّز علما إجماليا آخر نسبته إلى ذاك العلم الإجمالي عموم من وجه .
والثالث : كون العبرة بالتقدّم المعلومي .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 274
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٧٤