تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩

على كون الحرمة تكليفيّة أو وضعيّة ، ولكن فرّعوها على مسألة فقهيّة ، وهي أنّ نجاسة الملاقي هل هي بالسببيّة أو بالانبساط ؟ فذهب المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه ( 1 ) إلى أنّه إن قلنا بالسببيّة - بمعنى أنّ نجاسة الملاقي فرد آخر للنجاسة مستقلّ تحدث بسبب الملاقاة للنجس - فهذه النجاسة لا تتنجّز بالعلم الإجمالي الأوّل ، لأنّه لم يتعلَّق به ، وإنّما تعلَّق بالنجاسة الأولى المردّدة بين الملاقى وطرفه . وإن قلنا بالانبساط - أي أنّها عين النجاسة السابقة - توسعت وانبسطت بعد ما كانت منكمشة ، وواقفة على الملاقى ، وإذا أردنا تقريب ذلك بالتشبيه بالأمور التكوينية قلنا : إنّ هذا نظير التيّار الكهربائي الموجود في جسم على أساس اتّصاله بجسم آخر حامل لهذا التيار ، حيث يرى عرفا أنّ نفس ذاك التيّار انبسط على هذا الجسم وتوسّع . فهذه النجاسة عين ما كانت طرفا للعلم الإجمالي ، فهي منجّزة به ، وبما أنّه رحمه اللَّه يبني على السببيّة فلهذا يختار في المقام عدم التنجيز . أقول : إنّنا لو بنينا على عدم التنجيز بناء على السببيّة ، فلا بدّ أن نبني على ذلك أيضا بناء على الانبساط بالمعنى الَّذي ذكرناه . وتوضيح ذلك بعد غضّ النّظر عن تحليل أصل فكرة الانبساط في النجاسة وأنّها هل تتعقّل ثبوتا أو لا : أوّلا : أنّ المعلوم بالإجمال هو أصل النجاسة لا حدّها وسعتها ، وحدّ النجاسة

شرح
- بالإجمال والترخيص الشامل لتمام الأطراف ، ولو فرضنا : أنّ الغرض الإلزاميّ لم يدركه عامّة الناس ، وأدركه شخص بذكائه ، أو لم يدرك عامّة الناس أنّ هذه الأصول تؤدّي إلى مخالفته القطعيّة ، وأدرك ذلك شخص بذكائه ، فهذا كاف في تعارض الأصول وتساقطها لدى هذا الشخص الذكيّ ، فهو يأخذ من العرف كبرى عدم جريان الأصول النافية للتكليف المعلوم بالإجمال ، ويطبّقها على ما يعلمه ، وبكلمة أخرى : أنّ العرف يقول بنحو القضية الشرطية : متى ما أوجبت الأصول الترخيص في المخالفة القطعيّة فهي لا تجري ، وقد أدركنا الشرط بالدقّة العقليّة ، فيثبت الجزاء ، وذلك لأنّ المرتكز عند العرف إنّما هو التناقض بين ذات الترخيص الشامل والتكليف المعلوم بالإجمال ، لا بين ما يدركه العرف منهما ، وإن كان لو لم يدركها العرف لم يعرف وجود التناقض بالفعل . إذن فالعمدة في الإشكال على أستاذنا الشهيد رحمه اللَّه ما وضّحناه في التعليقات السابقة من أنّ التفصيل بين الأحكام الوضعيّة والتكليفيّة ليس في محلَّه حتى بالدقّة العقليّة ، لأنّه : أوّلا : أنّ الحكم التكليفي في المحرمات فعليّ قبل فعليّة الحرام . وثانيا : أنّ تلك الفعليّة في كلا الموردين لا توجب منجّزية العلم الأوّل ، لأنّها غير ثابتة بالنسبة لواقع الملاقي .
هامش
( 1 ) راجع فوائد الأصول : ج 4 ، ص 25 - 26 ، وأجود التقريرات : ج 2 ، ص 257 - 259 . .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 259 | السيد كاظم الحسيني الحائري