بالنجاسة ، وقد عرفت التفصيل في ذلك بين الحرمة التكليفيّة والوضعيّة بالبيان الَّذي مضى .
ويظهر أثر تنجيز الحرمة الوضعيّة بالعلم الأوّل مع أنّنا نقول بمنجّزيّة العلم الثاني على أيّ حال كما ستعرف إن شاء اللَّه ، فيما إذا لاقى الثوب أو الماء أحد الطرفين بعد خروج الطرف الآخر عن محلّ الابتلاء بانعدامه أو تطهيره أو غير ذلك كما مرّ .
إلَّا أنّ الأصحاب ( قدّس اللَّه أسرارهم ) لم يفرّقوا في المقام بين الحرمة التكليفيّة والوضعيّة [ 1 ] ولم يفرّعوا منجّزيّة العلم الإجمالي بالنجاسة لحرمة الملاقي وعدمها
شرح
[ 1 ] قد يقال : إنّ التفصيل بين الحرمة التكليفيّة والحرمة الوضعيّة - بالتقريب الَّذي عرفت - إن كان له مجال بحسب التدقيق العقلي ، فلا مجال له بالنظر العرفي ، فإنّ الالتفات إلى أنّ الحرمة الوضعيّة أمر منتزع من تحديد دائرة الواجب بالوجوب التكليفي الفعلي إنّما هو التفات عقليّ دقّيّ ، وليس التفاتا عرفيّا ، ويشهد لذلك عدم خطور هذا التفصيل في ذهن أحد من العلماء قبل أستاذنا الشهيد بحدود ما وصلتنا من الأبحاث .
إلَّا أنّ هذا الكلام لو تمّ فلا مجال له بالنسبة للبراءة العقليّة ، فإنّها أمر عقلي ، ولا بأس بالرجوع إلى تدقيق عقلي في معرفة مورد جريانها .
وأمّا بالنسبة للأصول الشرعيّة ، فإن كان المقصود بهذا الإشكال دعوى أنّ شمول إطلاق دليل الأصل لنفي الحرمة الوضعيّة للملاقي قبل الملاقاة غير مفهوم عرفا ، قلنا - بعد تسليم ذلك - : إنّ شموله له على تقدير الملاقاة زائدا الأصل النافي في الملاقي الفعلي للطرف الآخر ينتج الترخيص الفعلي للتكليف المعلوم بالإجمال ، بالبيان الَّذي مضى من أستاذنا رحمه اللَّه من توضيح فعليّة الحرمة الوضعيّة على أساس مجرّد النجاسة على تقدير الملاقاة .
وإن كان المقصود بذلك غفلة العرف عن العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي ، أو غفلته عن كون مجموع هذا الأصل التقديري زائدا ذاك الأصل الفعلي مستلزما بالفعل نفي الإلزام المعلوم بالإجمال . قلنا - بعد تسليم ذلك - : إنّ غفلة العرف عن فعلية العلم الإجمالي بالتكليف ، أو فعليّة نفي الأصلين للإلزام المعلوم بالإجمال لا تنفي تساقط الأصلين ، فإنّنا إن قلنا بأنّ سقوط الأصلين النافيين للإلزام المعلوم بالإجمال أمر عقلي ، كما عليه المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه ، فمن المعلوم أنّ عدم وضوح ذلك لدى العرف لا يضرّ به . وإن قلنا بأنّه من الارتكازيات العرفية كما هو المختار ، فالكبرى هي المرتكزة عرفا ، والصغرى قد تدرك بالدقّة العقليّة ، أي : أنّ العرف يرى أنّه متى ما تمّ العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي الَّذي تكون الأصول نافية له فالأصول لا تجري ، لارتكازيّة عدم إمكان الترخيص في المخالفة القطعيّة . أو قل : ارتكازية التناقض بين الغرض الإلزاميّ المعلوم