وعليه نقول : إنّ العلم الإجمالي الأوّل بوجوده البقائي مقارن زمانا لحدوث العلم الإجمالي الثاني ، فلا وجه لاختصاص المانعيّة والتأثير بأحدهما دون الآخر ، فهما يمنعان في عرض واحد عن جريان الأصول ، فأصالة الطهارة في طرف الملاقى لها معارضان في عرض واحد ، وهما : أصالة الطهارة في الملاقى ، وأصالة الطهارة في الملاقي ، فيتساقط الجميع [ 1 ] .
وثانيا - أنّ هذا الكلام غير صحيح حتّى لو فرض أنّ المانع عن الأصلين السابقين بقاء هو العلم الإجمالي بوجوده الحدوثي . وتوضيح ذلك : أنّ هناك خطأ في أصل سير التفكير الَّذي أدّى بصاحبه إلى القول بأنّ الأصلين السابقين تعارضا وتساقطا ، وهذا الأصل الجديد خال عن المعارض ، ونحن في الجواب الأوّل جارينا هذا السير في التفكير ، وحافظنا على مباني الإشكال ، ومع ذلك أبطلنا الإشكال بما عرفت من تعاصر العلمين ، لأنّ العلم الأوّل إنّما يؤثّر بقاء بوجوده البقائي المعاصر للعلم الثاني .
والآن نريد أن نبرز الخطأ في مبنى التفكير الَّذي وقع في المقام ، فنقول : إنّ فرض عدم ابتلاء الأصل الثالث بالمعارض بمجرّد أنّ ما كان يعارضه قد سقط في زمان سابق بمعارض آخر له ، إنّما يعقل على أحد تصوّرين : - الأوّل : أن يجرّد من كلّ واحد من الأصول الثلاثة كلام خاصّ ، فيتصوّر أنّها تكون من قبيل ما إذا صدر من المولى في أوّل الصباح كلامان متعارضان ، وصدر بعد ذلك كلام آخر مستقلّ يطابق أحد الكلامين الأوّلين ، ويخالف الآخر ، فيؤخذ هنا طبعا بالكلام الثالث ، ولا يجعل طرفا للمعارضة لما خالفه من الكلام المتّصل بالكلام الآخر ، وأنت ترى أنّ هذا قياس مع الفارق ، ففي مثال الكلمات الثلاث قد ابتلي الأوّلان بالإجمال على أساس الاتصال والتهافت ، وبقي الثالث غير المجمل بلا معارض ، أمّا في المقام فهذه الأصول الثلاثة نسبتها إلى كلام المولى من حيث الصدور على حدّ سواء ، كما هو واضح .
شرح
[ 1 ] وكذلك الحال لو فرضنا أنّ العلم الإجمالي بوجوده الحدوثي يسقط الأصل بقاء ، بمعنى تأخّر التأثير عن المؤثر ، فيصبح تأثير العلم الأوّل في عرض العلم الثاني ، أمّا لو فرضنا أنّ العلم الإجمالي بوجوده الحدوثي أسقط في زمانه الأصل المتأخّر ، فعندئذ يأتي مورد لتوهم بقاء الأصل الآخر بلا معارض على أساس الغفلة عن الجواب الثاني الَّذي سيبيّنه أستاذنا رحمه اللَّه .