أقول : إنّ القانون الَّذي ذكروه في المقام - من أنّ تنجيز العلم بشيء للحكم المتعلَّق به مشروطا بكونه تمام الموضوع له - في غاية المتانة ، إلَّا أنّ هنا اشتباها عامّا في تطبيقه في كثير من الموارد ، نشأ من الخلط بين الحرمة التكليفيّة والحرمة الوضعيّة ، وسوقهما مساقا واحدا . وتوضيح ذلك : أنّ هناك فرقا بين الحرمة التكليفيّة المتعلَّقة بالماء النجس - وهي حرمة الشرب - والحرمة الوضعيّة المتعلَّقة به - وهي حرمة التوضّؤ به مثلا - فالحرمة الأولى ليست فعليّة قبل وجود الماء النجس ، سواء قدر العبد على إيجاده أو لم يقدر ، فإن لم يقدر فمن المستحيل ثبوتا فعليّة حرمة شرب الماء النجس عليه ، لخروجه عن تحت القدرة ، وإن قدر على ذلك ، فالمانع الثبوتي وإن كان مرتفعا عندئذ ، لكن ظاهر دليل حرمة شرب النجس هو كون الحرمة مشروطة بوجود النجس خارجا ، فحرمة الشرب غير فعليّة قبل وجود الماء النجس [ 1 ] . وأمّا حرمة التوضّؤ به ، وكذا حرمة لبس اللباس النجس في الصلاة ،
شرح
[ 1 ] لعلّ هذا الكلام نتج من قياس مثل ( لا تشرب النجس ) بمثل ( أكرم العالم ) ، فكما يقال في ( أكرم العالم ) : إنّ الحكم ليس فعليّا قبل وجود موضوعه ، ولذا لو لم يوجد عالم لم يجب على المكلَّف أن يوجد العالم كي يكرمه ، كذلك يقال في ، ( لا تشرب النجس ) : ليس الحكم فعليّا قبل وجود موضوعه .
ولكنّنا نرى أنّ الفهم العرفي يفرّق بين باب الأوامر وباب النواهي ، ففي باب الأوامر يحمل عرفا - في الأعم الأغلب - متعلَّق المتعلَّق على أنّ الحكم معلَّق عليه ، لا على كونه قيدا للمتعلَّق ، كي يجب إيجاده مقدّمة لإيجاد المتعلَّق ، ولعلّ السبب في ذلك أنّ الغالب في الأوامر العرفية اختصاص الملاك بفرض وجود متعلَّق المتعلَّق ، فلو قال المولى العرفي مثلا : « أكرم الضيف » ، يكون الملاك في الإكرام إذا وجد الضيف ، فلا يطلب استضياف أحد مقدمة لإكرامه . أمّا في باب النواهي فالأمر على العكس من ذلك تماما ، أي : أنّ الملاك في النهي - الَّذي هو المفسدة في الفعل - غالبا يكون ثابتا حتى لدى عدم وجود متعلَّق المتعلَّق ، فالسمّ مثلا - الَّذي فرضنا أنّ المولى العرفي نهى عن شربه ، لما فيه من الضرر - لا يختصّ اتصافه بالضرر بفرض وجوده ، ولذا ترى أنّ العقلاء يبغضون شرب السمّ ، سواء كان السمّ موجودا ، أو غير موجود .
ولا أقصد بهذا الكلام استحالة عدم فعليّة الحكم في باب النواهي قبل فعليّة الموضوع ، فإنّه أولا : قد يتّفق اختصاص الملاك بفرض وجود الموضوع ، كما لو فرضنا أنّ ملاك الحكم كان في الجامع بين عدم الموضوع وترك ارتكابه ، فلدى عدم الموضوع لا يوجد ملاك لحرمة الارتكاب ، لأنّ المولى مرتو بتحقق الفرد الآخر من فردي الموضوع ، فلا يطلب الفرد الآخر .