تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
بالإجمال ليست تمام الموضوع لوجوب إيقاع الحدّ ، بل يكون موضوعه مركَّبا من خمرية الشيء وشربه ، ففي هذا المثال - أعني مثال العلم بخمرية أحد المائعين - يكون العلم الإجمالي منجّزا لبعض أحكام متعلَّقه ، كحرمة الشرب ، وغير منجّز لبعض أحكامه الأخرى كوجوب إجراء الحدّ ، لأنّ متعلَّقه كان تمام الموضوع لبعض تلك الأحكام ، وكان جزء الموضوع للبعض الآخر ولو كان جزء الموضوع لتمام أحكامه لما تنجّز شيء منها . ففي ما نحن فيه لو فرض أنّ المعلوم إجمالا نجاسته كان ماء مثلا ، فقد نجّز هذا العلم بعض أحكامه ، كحرمة شربه أو التوضّؤ به ، لأنّ نجاسته تمام الموضوع لذلك ، ولكن لا ينجّز هذا العلم حرمة الملاقي ، لأنّ نجاسة المعلوم ليست تمام الموضوع لهذه الحرمة ، بل موضوعها مركَّب من النجاسة والملاقاة ، والعلم الإجمالي قد تعلَّق بالجزء الأوّل فحسب ، فقد حصل هنا التبعيض في أحكام المعلوم بالإجمال ، فتنجّز بعضها ولم يتنجّز البعض الآخر ، كما إنّه قد لا يتنجّز بهذا العلم شيء من الأحكام أصلا ، كما لو فرض متعلَّق العلم الإجمالي بالنجاسة عبارة عن أحد الدرهمين ، فهذا العلم لا ينجّز شيئا من الحرمات ، لأنّ معلومه ليس إلَّا جزء الموضوع لأحكامه ، وليس موضوعا تامّا لحكم من الأحكام ، إذ ليس الدرهم مأكولا أو مشروبا أو ملبوسا في الصلاة . نعم إن لاقى لباس الدرهم النجس برطوبة ، حرمت الصلاة فيه ، وإن لاقاه شيء مأكول أو مشروب حرم أكله أو شربه ، ونجاسة الدرهم النجس لم تكن إلَّا جزء الموضوع لهذه الحرمات ، وكان الجزء الآخر عبارة عن الملاقاة . وهكذا الحال لو فرضنا أنّ المعلوم بالإجمال في أحد الطرفين كان تمام الموضوع لحكم ، ولكن في الطرف الآخر لم يكن كذلك ، فمثل هذا العلم الإجمالي لا أثر له ، لأنّه لم يثبت العلم بشيء يكون تمام الموضوع للحكم ، فلو كان أحد الطرفين المعلوم إجمالا نجاسة أحدهما ماء ، والآخر درهما ، حلّ شرب الماء أو التوضّؤ به ، ولم يتنجّز علينا أيّ حكم من الأحكام ، إذ لم يحصل العلم بحكم ، ومن هنا يحكم في الماءين المسبوقين بالكرّيّة ، إذا نقص أحدهما غير المعيّن عن الكرّ ، ثم لاقى أحدهما النجاسة بطهارة ذلك الماء بحكم استصحاب الكرّيّة ، من دون أن يكون هذا الاستصحاب معارضا باستصحاب كرّيّة الآخر ، إذ لا أثر فعلي لكرّيّة الآخر ، وليس العلم بعدم كرية أحدهما علما بالتكليف بالفعل .