الابتلاء شرعا ، ويبقى الطرف الآخر مؤمّنا عليه بأصالة الطهارة ( 1 ) . وهذا الكلام غير صحيح كما نبّه عليه المحقّق العراقي رحمه اللَّه ( 2 ) ، إذ لو فرض التكليفان من سنخين ، كما في هذا المثال فحرمة شرب النّجس تكليف مستقلّ ، وضيق جديد ، غير حرمة شرب المغصوب ، وهو أمر مفهوم للعرف ، وموجب لتعدّد العقاب لو ارتكبه ، وهذا المقدار كاف في ارتفاع القبح والاستحالة ، وقد علم هذا التكليف إجمالا في أحد الطرفين ، ولا مانع من منجّزية هذا العلم الإجمالي ، ولا مانع من إجراء الأصل في نفسه عن حرمة أخرى للشيء غير حرمته المعلومة ، فيعارض الأصل النافي للحرمة في الطرف الآخر . ولو فرض التكليفان من سنخ واحد كما لو علم إجمالا بنجاسة أحدهما ، وعلم تفصيلا بنجاسة أحدهما المعيّن ، اتّجه جواز ارتكاب الطرف الآخر بملاك ما مضى من الانحلال حقيقة أو حكما ، وليس في المقام شيء زائد باعتبار الخروج عن محلّ الابتلاء شرعا . وما ذكرناه على مبنى القوم واضح ، وأمّا على مبنانا - من أنّ الوجه في انحلال العلم الإجمالي بخروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء هو انصراف دليل الأصل عن ذاك الطرف بالارتكاز ، وجريانه في الطرف الآخر بلا معارض - فيمكن أن يقال في المقام : إنّ دليل الأصل منصرف عن الإناء المغصوب بالارتكاز ، فإنّه وإن كان بحسب الدقّة يوجد هنا أيضا تزاحم بين ملاك الترخيص وملاك الإلزام ، لأنّه إذا كان الإناء حراما بحرمة أخرى يوجد نحو اشتداد في الضيق ، لكنّ العرف لا يقبل مثل هذا التزاحم ، ويقول : إنّ المفروض شرعا هو أن لا يشرب هذا الإناء على أيّ حال لمغصوبيّته ، وأيّ معنى للتزاحم بين ملاك الإلزام وملاك أنّ العبد لو أراد أن يعصي حرمة الغصب ، فليكن على الأقلّ مستريحا من حرمة شرب النجس ، ومرخّصا فيه من هذه الناحية . إلَّا أنّ الصحيح أنّ العرف لا يرى دليل الأصل منصرفا عن حرمة زائدة محتملة ، فلو علم بغصبيّة شيء ، وشكّ في نجاسته ، تمسّك العرف في رفع حرمة شرب النجس بدليل الأصل ، ولا يوجد ارتكاز على خلافه ، وإذا شربه لا يعاقب إلَّا بعقاب واحد وإن فرض وجود نكتة الارتكاز في المقام ، والسّر في ذلك أنّ قاعدة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 244
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٤٤
هامش
( 1 ) راجع أجود التقريرات : ج 2 ، ص 255 ، وفوائد الأصول : ج 4 ، ص 22 . .
( 2 ) راجع نهاية الأفكار : القسم الثاني من الجزء الثالث ، ص 348 . .