استصحاب التكليف بعد الموافقة الاحتماليّة :
التنبيه الحادي عشر
:
قد عرفت حتّى الآن قاعدة تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة ، ويمكن استبدال هذه القاعدة بأمر آخر يؤدّي دورها ، وهو استصحاب بقاء التكليف بعد الموافقة الاحتمالية ، فيثبت لزوم الموافقة القطعيّة ، حتى إذا أنكرنا قاعدة تنجيز العلم الإجمالي للموافقة القطعيّة . وهذا لو تمّ يؤثّر في نطاق أوسع من نطاق تأثير تلك القاعدة ، لأنّك عرفت أنّ العلم الإجمالي إذا وجد بعد سقوط التكليف في بعض الأطراف بامتثال اتّفاقي أو عصيان اتّفاقي أو نحو ذلك ، لم تتمّ قاعدة منجّزيّته ، ولكن الاستصحاب لو تمّ يجري في المقام أيضا [ 1 ] ، وقد مضى ذكر هذا الاستصحاب في بعض جزئيّاته ، وهو في فرض طروّ الاضطرار إلى أحد الطرفين بعينه بعد التكليف وقبل العلم ، حيث مرّت هناك شبهة التنجيز بهذا الاستصحاب ، وقلنا هناك : إنّه إن أريد استصحاب واقع الحكم المعلوم بالإجمال ، فهو استصحاب للفرد المردّد بين ما يقطع بزواله وما يقطع بعدم زواله ، وهو غير جار ، وإن أريد استصحاب الجامع ، فهو جامع بين ما يقبل التنجيز وما لا يقبل التنجيز ، فيثبت الجامع بين حكم المولى القابل للتنجيز وطيران الطير في الهواء مثلا ، ولا يمكن تنجيز مثل هذا الجامع .
شرح
[ 1 ] ومن ناحية أخرى يكون تأثير هذا الاستصحاب أضيق نطاقا من تأثير منجّزيّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة ، لأنّه لا يحرّم مخالفة بعض الأطراف في حين بقاء الطرف الآخر في محلّ الابتلاء ، فمثلا لو علمنا بحرمة أحد الإناءين ، وكلاهما كانا داخلين في محلّ الابتلاء ، وقلنا بعدم تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة ، حلّ شرب أحدهما ، ولا استصحاب في المقام ، ولو كان ، فلم يكن أحسن حالا من العلم نفسه . نعم ، يفيد هذا الاستصحاب لو تمّ بعد خروج أحد الطرفين عن المورديّة بعصيان ، أو زوال موضوع ، أو بالامتثال ، وهذا الثالث - وهو سقوط أحد الطرفين بالامتثال - يغلب وقوعه في الشبهات الوجوبية ، كما لو علم إجمالا بوجوب الظهر أو الجمعة ، فصلَّى الجمعة ، وكأنّه لهذا نرى أنّ المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه إنّما ذكر شبهة الاستصحاب في الشبهات الوجوبية ، ولم يذكرها في الشبهات التحريمية .