المختارة في سائر موارد شبهات المخصّص ، فما هي النكتة الثابتة فيما نحن فيه التي جعلته يشذّ عن سائر الموارد ، وأوجبت عدم التمسّك بالإطلاق فيه مطلقا ؟ وقد ذكر لذلك تقريبان : - التقريب الأوّل : ما في كلام المحقّق الخراسانيّ رحمه اللَّه في الكفاية ، وهذا التقريب - إذا أخذنا بعبارة الكفاية على بساطتها وإجمالها - يكون عبارة عن أنّه لو تمّ ثبوتا إمكان إطلاق الحكم ، وشككنا في التقييد والإطلاق ، بنينا على الإطلاق في عالم الإثبات ، أمّا مع الشكّ في أصل إمكان كون الحكم مطلقا ثبوتا ، فلا معنى للتمسّك بالإطلاق إثباتا ، فإنّ مقام الإثبات فرع مقام الثبوت ، ومع الشكّ في إمكان الشيء لا يمكن إثباته بالإطلاق . وأجاب عن ذلك المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه حلَّا ونقضا : أمّا الحلّ : فبأنّه ليس من شرائط الأخذ بإطلاق الكلام إثباتا إحراز إمكان مفاده ثبوتا مسبقا على الأخذ به ، بل بمجرّد احتمال الإمكان يأتي احتمال صدق الإطلاق الإثباتي ، ومع احتمال الصدق يصبح حجّة بدليل حجّيّة الظهور ، ويثبت تعبّدا بالمدلول الالتزامي لذاك الظهور إمكان مفاده ثبوتا . وأمّا النقض : فبأنّه لو كان من شرط الأخذ بالإطلاق إحراز إمكان مفاده ، لبطل جميع الإطلاقات ، فمثلا لا يمكن الأخذ بإطلاق أحل الله البيع لإثبات جعل صحّة البيع المعاطاتي ، مع احتمال كون جعل صحّته مشتملا ثبوتا على مفاسد قبيحة على المولى ، ولا يصدر القبيح من المولى ، فقد شككنا في أصل صحّة هذا الجعل ثبوتا ، فكيف نتمسّك بالإطلاق في مقام الإثبات ؟ وما أفاده المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه نقضا وحلا متين ، ووارد على هذا الوجه ، بناء على الأخذ فيه بنفس البيان الساذج الَّذي ذكرناه . إلَّا أنّ المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه فسّر ( 1 ) عبارة المحقّق الخراسانيّ ببيان آخر أعمق ، يسلم عمّا أورده عليه المحقّق النائينيّ ، وهو : أنّنا إنّما نأخذ بالإطلاق لدى فرض جعل الحجّية للإطلاق ، وجعل الحجّية حكم ظاهري ، حاله حال الحكم الواقعي في كونه مشروطا بالدخول في محلّ الابتلاء ، وأيّ فرق في ذلك بين وجوب الاجتناب الواقعي ووجوب الاجتناب الظاهري ؟ فمع الشكّ في الدخول في محلّ الابتلاء يشكّ في أصل معقوليّة جعل الحجّيّة للإطلاق في المقام .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 236
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٣٦
هامش
( 1 ) راجع نهاية الأفكار : القسم الثاني من الجزء الثالث ، ص 345 - 346 . .