بينهما أنّ القدرة تحصّص الفعل [ 1 ] المتحقق من العبد إلى حصتين : الحصّة الناشئة بلا قدرة ، كحركة يد المشلول القهرية ، والحصة الناشئة عن القدرة كحركة يد الإنسان السالم الاختيارية ، فمن المعقول أن تكون الحصة الأولى ذات مفسدة ، دون الحصة الثانية . وأمّا وصف الدخول في محلّ الابتلاء فلا يحصّص فعل العبد إلى حصتين ، حتى يفرض أنّ إحداهما مشتملة على المفسدة ، والأخرى غير مشتملة عليها ، إذ فرض تحقق الفعل مساوق لفرض دخوله في محلّ الابتلاء ، لأنّ خروجه عنه عبارة عن عدم ترقّب وقوعه من العبد ، وفرض وقوعه مساوق لفرض ترقب وقوعه بتحمل الصعاب ، أو بعدم تنفر النّفس من الخبائث مثلا ، أو بإجبار النّفس على الإقدام على ما تتنفر منه ، ونحو ذلك [ 2 ] .
شرح
[ 1 ] قد تقول : إنّ القدرة أو عدمها - بمعنى ضرورة صدور الفعل - هي التي تحصّص الفعل إلى حصّتين : حصّة تصدر عن اختيار ، وحصّة تصدر بلا اختيار . أمّا القدرة في مقابل العجز عن الفعل ، واستحالة صدور الفعل ، فلا تحصّص الفعل إلى حصّتين ، فبناء على استحالة دخل الدخول في محلّ الابتلاء في الملاك يستحيل أيضا دخل العجز التكويني عن الفعل في الملاك .
والجواب : أنّ ذات القدرة ، التي ليس لها إلَّا معنى واحد - وهي السلطنة على الفعل والترك معا - تحصص الفعل بوجودها وعدمها إلى حصتين : فعل مقترن بالقدرة ، وفعل مقترن بعدمها ، ومعنى دخل القدرة في الملاك : انّ حاجة المولى لا تتقوّم بخصوص الترك مثلا ، بل تتقوّم بالجامع بين عدم القدرة والترك ، فمع فرض حصول عدم القدرة ترتفع الحاجة إلى الترك ، فعدم القدرة وإن كان قد يتجسّد في العجز عن الفعل وضرورة الترك ، لكنّ معنى دخل القدرة في الملاك :
أنّ المولى لم يكن بحاجة إلى هذا الترك ما دامت القدرة مفقودة ، لأنّ عدم القدرة أشبع حاجة المولى ، فلو كان ينتفي الترك فرضا رغم عدم القدرة لم يكن يضرّ ذلك بالمولى شيئا ، وفرض انتفاء الترك لا يساوق فرض القدرة ، إذ أنّ انتفاء الترك له مصداقان : فقد يتجسّد بالفعل عن قدرة ، وقد يتجسّد بالفعل لا عن قدرة ، وهذا بخلاف الخروج عن محلّ الابتلاء ، مع ثبوت القدرة ، فإنّ انتفاء الترك هنا مساوق للدخول في محلّ الابتلاء ، فلا يمكن أن يقال : إنّ الخروج عن محلّ الابتلاء أشبع حاجة المولى ، إلَّا بمعنى أنّ الخروج عن محلّ الابتلاء ضمن الترك للمولى ، أمّا إشباعه لحاجة المولى ، بمعنى أنّه لا يهمه صدور الفعل ، وانتفاء الترك ، فلا معنى له ، لأنّ صدور الفعل أو انتفاء الترك يستبطن في أحشائه عدم الخروج عن محلّ الابتلاء .
[ 2 ] قد تقول : إنّ هذا الكلام إنّما يأتي فيما إذا فرضت المفسدة في الفعل ، فعندئذ لا يعقل كون الدخول في محلّ الابتلاء دخيلا في الملاك ، لأنّه لا يحصص الفعل إلى حصتين ، أمّا إذا افترضت المصلحة في الترك ، فمن الواضح أنّ دخول الفعل في محلّ الابتلاء يحصص الترك إلى حصتين :