تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
البراءة ، فكما يقدّم هناك ظاهر دليل المعلوم بالإجمال على دليل البراءة ، إمّا لكون دليل البراءة ظاهرا في كونه مبيّنا للوظيفة في طول الحكم الواقعي ، فلا يمسّ نفس الحكم الواقعي ، أو لأيّ سبب آخر ، كذلك يقال هنا بتقديم دليل المعلوم بالإجمال على دليل البراءة . ثمّ لا يخفى أنّه لا حاجة إلى هذا الخطاب الجديد بعد ما عرفت من سلامة فكرة تقييد إطلاق التكليف ، وذلك لأنّ ثبوت أصل التكليف بعد القطع بارتفاع إطلاقه لصورة اختيار الحرام وحده ، أو لصورة عدم شرب الآخر يكون على القاعدة ، وإذا ثبت أصل التكليف على القاعدة فأيّ حاجة إلى فرض خطاب جديد [ 1 ] ؟
شرح
[ 1 ] لا يخفى أنّ المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه لم يذكر تبديل فكرة تقييد الإطلاق بفكرة كون الحكم سدّا لبعض أبواب العدم ، لا لتمام الأبواب فيما نحن فيه ، وإنّما ذكر ذلك في باب التزاحم بين الضدين الواجبين . راجع المقالات : ج 1 ، ص 120 . ونهاية الأفكار : الجزء الأوّل والثاني ، ص 367 . حيث ذكر : أنّه إذا لم يمكن اجتماع الأمرين بالضدين على شكل الأمر بأمرين متغايرين غير متضادّين ، فقد يعالج الموقف بتقييد كلّ منهما بفرض عدم الإتيان بالآخر ، وقد يعالج الموقف بجعل كلّ من الإيجابين إيجابا ناقصا ، فليس أحدهما مقيّدا بفرض عدم الإتيان بالآخر ، لكنّه في نفسه ناقص يسدّ بعض أبواب العدم ، أي يصرف المكلف عن سائر الأمور إلى المأمور به إلَّا عن ذاك الضد الواجب ، واختار رحمه اللَّه العلاج الثاني على العلاج الأوّل ، وعلَّل هذا الاختيار في نهاية الأفكار بغير ما علَّله به في المقالات ، ففي نهاية الأفكار علَّل ذلك بأنّ تقييد كلّ من الأمرين بفرض عدم الآخر لا يعالج مشكلة الأمر بالضدين ، لبقاء المطاردة بملاحظة تحقق القيد قبل الإتيان بواحد منهما ، على تحقيق وتفصيل مذكور في نهاية الأفكار . وهذا - كما ترى - تعليل بمحذور ثبوتي ، وأمّا في المقالات ، فلم يعلَّل الأمر بمحذور ثبوتي ، بل علَّله بمحذور إثباتي ، وهو أنّ التقييد خلاف الإطلاق ، ولا داعي إليه بعد إمكان توجّه الطلب الناقص الَّذي لا يوجب سدّ جميع أبواب العدم ، بما فيها باب الضدّ الواجب ، وبه يرتفع المحذور . وهذا يعني أنّه رحمه اللَّه إمّا يرى أنّ تفسير الطلب بالطلب الناقص أقلّ محذورا في مرحلة الإثبات من محذور التقييد ، أو يرى أنّ كون الطلب ناقصا أمر لا بدّ منه على كلّ حال ، لأنّ التقييد - أيضا - يجعل الطلب ناقصا ، فدار الأمر بين الاكتفاء بنقص الطلب أو التقييد ، والثاني منفيّ بالإطلاق ، وذلك غفلة منه عن أنّ نقص الطلب بسبب التقييد ليس فيه محذور زائد على أصل التقييد ، فالأمر دائر بين محذورين متباينين . وعلى أيّة حال ، فهل من الضروريّ لمن يؤوّل الأمر في المتزاحمين إلى الطلب الناقص ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 201 | السيد كاظم الحسيني الحائري