ويصبح غير صحيح .
أقول : إنّ الصحيح : أنّ كلَّا من الفرضين يفيد التنجيز ، ولا يرد على شيء منهما هذا الإشكال ، إلَّا أنّ ذلك بعد توجيه ، وذلك بأن يكون المقصود بالشرط ( وهو شرط عدم اختيار الفرد الحرام واقعا ) هو عدم اختياره وحده ، بأنّ تثبت الحرمة في فرضين :
فرض اختيار الآخر ، وفرض اختيارهما ، وهذا مساوق لكون الشرط عدم اختيار الفرد الآخر ، وهذا التوجيه يرفع من الفرض الأوّل جهة عدم التنجيز ، وجريان الأصول ، إذ جريان الأصول يصبح ترخيصا في المخالفة القطعيّة ، لأنّ مخالفة تمام الأطراف تساوق القطع بحصول الشرط ، وبالتالي القطع بثبوت التكليف ومخالفته كما يرفع من الفرض الثاني إشكال كون الحكم مغيا باختيار مخالفته ، فإنّ هذا مغيا بحصّة خاصّة من مخالفته ، وهي مخالفته مع عدم ارتكاب الفرد الآخر ، وإن شئت فقل : إنّه مغيا بعدم ارتكاب الفرد الآخر ، وهذا لا يوجب سقوط التكليف عن كونه توجيها لاختيار المكلف ، وعدم اختياره ، وبقطع النّظر عن هذا التوجيه الَّذي ذكرناه يرد ما ذكره من الإشكال على كلا الفرضين ، لا على الفرض الثاني فقط .
هذا تمام الكلام حول ما أفاده المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه في المقام .
وأمّا المحقّق العراقيّ قدّس سرّه فلم يذهب إلى جعل التكليف مشروطا ، بل أورد القيد على متعلَّق التكليف ، فمتعلَّق وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعيّ ليس هو سدّ جميع أبواب عدمه ، بل هو سدّ بعض أبواب عدمه ، بنحو كأنّه ينقلب وجوب الاجتناب - وإن كان لا يرضى المحقّق العراقيّ قدّس سرّه بهذا التعبير - من التعيينيّة إلى التخيير ، ومن الخطاب بالفرد المعيّن إلى الخطاب بالجامع ، فالعبد مخاطب بترك أحد الأمرين الطاهر أو النجس ، فيتنجّز عليه ترك أحدهما ، في حين أنّه يجوز له شرب أحدهما . وكأنّه رحمه اللَّه لم يذكر الصورة التي ذكرها المحقّق النائينيّ من جعل التكليف مشروطا فرارا من إشكال انقلاب الوجوب المطلق إلى الوجوب المشروط ، والانتهاء إلى شكّ بدويّ وعدم التنجّز ، أو من إشكال عدم صحّة تقيّد التكليف باختيار المكلف ، ونحن قد عالجنا هاتين المشكلتين .
وعلى أيّ حال ، فرجوع الخطاب التعيينيّ إلى الخطاب التخييريّ أمر معقول ثبوتا ، لكن يبقى الكلام في أنّه ما هو الدليل على ذلك إثباتا ؟ فإنّ الخطاب الَّذي دلّ عليه الدليل خطاب تعيينيّ ، وقد سقط بمنافاته للترخيص التخييريّ ، والخطاب التخييريّ خطاب آخر يحتاج إلى دليل مستقلّ غير موجود ، وهذا بخلاف ما اختاره
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 199
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٩٩