إطلاق التكليف ، فيحصل التوسّط في التكليف . أقول : أمّا الوجه الأوّل للتوسّط في التكليف ، وهو العلَّيّة التامّة لتنجيز العلم الإجماليّ ، فقد عرفت ما فيه ، وأمّا الوجه الثاني ، وهو فرض انطباق الاضطرار على هذا الفرد عرفا ، فهو أيضا ممنوع ، ولا يكون الاضطرار إلَّا بمقدار الجامع ، ولا وجه لفرض سريانه إلى الفرد ، فالتكليف الواقعيّ ثابت على حاله ، ويكون التوسّط في التنجيز . ثمّ على تقدير المنافاة في الجملة بين التكليف الواقعيّ وهذا الترخيص في أحد الفردين ، يقع الكلام في أنّه هل يبقى مقدار من التكليف يوجب العلم به التنجيز بالنسبة للفرد الآخر ، أو لا ؟ وكيف نتصور بقاء ذلك ؟ قد اختلف هنا تصوّر المحقّق النائينيّ قدّس سرّه في أجود التقريرات ، وتصوّر المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه . أمّا المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه ، فقد ذهب في المقام إلى أنّ التكليف يصبح مشروطا بعدم اختيار الحرام الواقعيّ في مقام دفع الاضطرار ، وفصّل قدّس سرّه في استلزام ذلك لتنجّز الفرد الآخر بين ما لو فرض هذا الشرط شرطا متأخّرا - أي : أنّه مهما اختار الفرد الحرام لدفع الاضطرار يكشف ذلك عن أن هذا لم يكن حراما عليه من أوّل الأمر - أو فرض شرطا مقارنا - أي : أنّه من آن الاختيار ترتفع حرمته - فإن فرض الأوّل فلا تنجيز في البين ، للشكّ في التكليف بالشكّ في ثبوت شرطه ( 1 ) ، وإن فرض الثاني فأصل التكليف معلوم بلحاظ ما قبل الاختيار ، غاية الأمر هي التردّد بين الفرد الطويل والقصير ، فيثبت التنجيز ، واختار هو قدّس سرّه الفرض الثاني ، أعني كونه شرطا مقارنا ، حيث إنّ القدر المتيقّن من سقوط التكليف هو آن الاختيار ، وأمّا قبله فيتمسّك بإطلاق دليل التكليف . والسيّد الأستاذ ( 2 ) أشكل على الفرض الثاني ، وهو كونه شرطا مقارنا ، وظاهره أنّه يوافق المحقّق النائينيّ رحمه اللَّه بالنسبة للفرض الأوّل في أنّه لا يثمر التنجيز ، وإشكاله على الفرض الثاني هو أنّه لا يتعقّل تكليف مغيا باختيار مخالفته ، فإنّ التكليف إنّما يكون لتوجيه اختيار المكلَّف ، وعدم اختياره ، فلو جعل مغيا باختيار مخالفته يلغو ،
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 198
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٩٨
هامش
( 1 ) فيما إذا كان الاضطرار قبل حدوث التكليف ، أو قبل العلم به ، كما جاء هذا القيد في أجود التقريرات : ج 2 ، ص 271 . .
( 2 ) راجع الدراسات : ج 3 ، ص 252 ، والمصباح : ج 2 ، ص 392 . .