المحقّق النائينيّ قدّس سرّه من جعل التكليف مشروطا ، فإنّ هذا على طبق القاعدة ، ولا يحتاج إلى دليل خاصّ ، إذ إطلاق التكليف سقط قطعا لمنافاته للترخيص ، ووجود أصل التكليف في الجملة أمر محتمل ، فيثبت ذلك بنفس دليل التكليف .
وهذا الإشكال وإن لم يعالجه المحقّق العراقيّ قدّس سرّه لكنّ أكبر الظن أنّه لو أورد عليه ، لأجاب بأنّ الدليل عليه هو نفس دليل الوجوب التعيينيّ ، لأنّه بالمطابقة يدلّ على الوجوب التعيينيّ ، وبالالتزام يدلّ على الملاك ، وقد سقطت دلالته المطابقيّة عن الحجّيّة ، لكنّ الدلالة الالتزاميّة غير تابعة عنده في الحجّيّة للدلالة المطابقيّة ، فدلالته على ثبوت الملاك باقية على حالها ، وعندئذ يستكشف من الملاك خطاب يسدّ بعض أبواب العدم ، بعد أن وجد مانع عن الخطاب الَّذي يسدّ جميع أبواب العدم . وهذا نظير ما يقال في جملة من الموارد التي لا يكفي المدلول المطابقي للدليل ، لتحصيل الملاك من استكشاف الخطاب من ناحية فعليّة الملاك ، كما يقال بذلك في خطاب وجوب حفظ القدرة .
إن قلت : إنّ البراءة في أطراف العلم الإجماليّ إنّما لم تجر عند المحقّق العراقيّ قدّس سرّه للمحذور العقليّ ، وهو قبح الترخيص في مخالفة العلم ، لا لكون الملاك يهتمّ به حتما بنحو لا تجري في مورده البراءة ، وإلَّا فكثيرا ما يتّفق في مورد الشبهات البدويّة أنّ المولى يعلم بوجود الملاك والحكم ، ومع ذلك يجعل البراءة ، فليكن الملاك الثابت بالدلالة الالتزامية فيما نحن فيه ممّا لا يهتمّ به بدرجة يمنع عن جريان البراءة .
قلت : الدليل الأوّليّ للخطاب قد دلّ على أمور : فقد دلّ على ثبوت الملاك في نفسه ، وقد دلّ على الاهتمام به في مقابل عدم سدّ شيء من أبواب العدم ، وقد دلّ على الاهتمام التامّ به في مقابل جعل بعض أبواب العدم مفتوحا ، وهذا الأخير ساقط قطعا ، لفرض انفتاح أحد أبواب العدم بالترخيص التخييريّ ، لكنّ الأوّل والثاني لم يثبت سقوطهما ، فنبني على ثبوتهما بظاهر الدليل ، ومع العلم بثبوت الملاك والاهتمام به بهذا المقدار ، لا معنى لجريان البراءة ، ويثبت هنا - أيضا - نفس المحذور العقليّ في الترخيص في المخالفة القطعيّة لمثل هذا الملاك المهتمّ به - لو كان محذور عقليّ في الترخيص في سائر الموارد - والمفروض تقديم ظهور دليل المعلوم بالإجمال على دليل البراءة ، وإلَّا لأخذ بدليل البراءة في سائر موارد العلم الإجماليّ مطلقا ولو باستكشاف رفع اليد عن أصل الحكم ، لمكان المنافاة بينه وبين
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 200
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٠٠