وإطلاق دليل الأصل ، وهذه المشكلة أثارها في المقام المحقّق العراقيّ قدّس سرّه ( 1 ) . وأجاب رحمه اللَّه عنها بأنّه يوجد لدينا في المقام سنخان من الشكّ والاحتمال : ( الأوّل ) أنّه في كلّ واحد من الإناءين نحتمل طهارته مطلقا ، أي : حتى على تقدير طهارة الآخر ، وإجراء أصالة الطهارة بهذا اللحاظ ، ليثبت طهارة هذا الإناء ، ولو على تقدير طهارة الآخر ، محكوم للبيّنة الدالَّة على أنّه ليس هذا الإناء طاهرا على كلّ تقدير ، أي : حتى على تقدير طهارة الآخر على حدّ محكوميّة أصالة الطهارة في مورد للبيّنة الدالَّة على النجاسة في نفس ذلك المورد تفصيلا . ( الثاني ) احتمال الطهارة في كلّ واحد من الإناءين بدلا عن الآخر ، وعلى غير تقدير طهارة الآخر ، وقد كان الثابت عندنا بقطع النّظر عن البيّنة الاحتمال الأوّل ، أعني : احتمال الطهارة على كلّ تقدير ، وإنّما تبدّل هذا الاحتمال بالاحتمال الثاني بواسطة حكم البيّنة ببطلان الاحتمال الأوّل ، وإثباته ظاهرا ، لعدم ثبوت الطهارة على كلّ تقدير ، وإذا أردنا إجراء أصالة الطهارة بلحاظ هذا الاحتمال ، فالأصلان في الطرفين يتعارضان ويتساقطان ، ويكون إطلاق دليل حجّيّة البيّنة في منجى عن دائرة المعارضة ، لأنّ موضوع الأصل الَّذي هو هذا الاحتمال الثاني قد تولَّد في طول حجّيّة البيّنة ، فلا يعقل تعارض الأصلين مع حجّيّة البيّنة . أقول : إنّ هذا الكلام غير صحيح ، فإنّه لم يتبدّل بحجّيّة البيّنة احتمال إلى احتمال آخر ، وإنّما واقع المطلب هو أنّه كان لنا احتمالان : أحدهما : احتمال طهارة هذا الإناء بالفعل ، وكذلك احتمال طهارة ذاك الإناء بالفعل . والآخر : احتمال طهارة هذا الإناء على تقدير طهارة ذاك الإناء ، وكذلك العكس ، ولنفرض أنّ هذا الاحتمال الثاني تبدّل إلى العلم بنجاسة هذا الإناء على تقدير طهارة ذاك الإناء وبالعكس ، لكنّ الاحتمال الأوّل باق على حاله ، ويجري الأصل بلحاظه في عرض حجّيّة البيّنة ، فيتعارضان ، فرجع الإشكال على حاله . والتحقيق في المقام : أنّ هذا الإشكال - أيضا - إنّما يتأتّى بناء على مباني الأصحاب ، حيث يقولون بتقديم البيّنة والأمارات على الأصل بالحكومة أو الورود ، فيقال عندئذ : إنّه لا حكومة فيما نحن فيه ولا ورود ، لانحفاظ موضوع الأصل في كل واحد من الطرفين بخصوصه ، ولا مورد لهذا الإشكال بناء على مبنانا الَّذي سوف
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 178
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٧٨
هامش
( 1 ) راجع نهاية الأفكار : القسم الثاني من الجزء الثالث ، ص 326 - 328 . .