على ما في التقريرات - ، ودعت المحقّق العراقيّ [ 1 ] ( 1 ) إلى إبراز علم إجماليّ آخر منتزع عن هذا العلم الإجماليّ يكون بين حكمين فعليّين ، فينسب التنجيز إلى هذا العلم الإجماليّ الثاني . وذلك ببيان أنّ العلم الإجماليّ بأحد الحكمين الآن أو مستقبلا وإن لم يكن علما بالحكم الفعليّ على كلّ تقدير ، ولكن يتولَّد من ذلك علم إجمالي بأنّه إمّا يجب عليه الحكم الأوّل الفعليّ ، أو يجب عليه بالفعل حفظ القدرة للواجب الثاني ، لأنّه قد ثبت بوجه من الوجوه وجوب حفظ القدرة للواجبات الاستقباليّة ، وبه يتغلَّب على مشكلة المقدّمات المفوّتة ، وهذا العلم الإجماليّ يكون علما بين حكمين فعليّين ، ويكون منجّزا . أقول : يرد على ذلك : أوّلا - أنّ وجوب المقدّمات المفوّتة حكم عقليّ كما يعترف هو قدّس سرّه بذلك ، وذلك من باب حكم العقل بالتنجيز ، فلا يجب حفظ القدرة للواجب الاستقباليّ إذا لم يكن منجّزا ، كما إذا لم يكن طرفا للعلم الإجماليّ ، بل كان مشكوكا بالشك البدويّ ، فوجوب حفظ القدرة في المقام فرع تنجّز هذا الحكم بالعلم الإجماليّ الأوّل ، فإن لم يكن منجّزا لم يتولَّد العلم الثاني ، وإن كان منجّزا فلا حاجة إلى دسّ مسألة حفظ القدرة [ 2 ] في المقام ، فملاك ما هو المركوز في ذهنه قدّس سرّه ليس هو ذلك .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 181
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٨١
شرح
[ 1 ] وذكر رحمه اللَّه هناك - أيضا - وجها آخر لحلّ إشكال عدم تعلَّق العلم الإجماليّ بتكليف فعليّ على كلّ تقدير ، وهو أنّ الأحكام في رأيه قدّس سرّه كما في رأي أستاذنا الشهيد رحمه اللَّه فعليّة منذ البدء ، وإنّما الَّذي يتأخّر إلى حين مجيء الشروط هو فاعليّتها ، إذن فالعلم الإجمالي في المقام علم إجمالي بتكليف فعليّ على كلّ تقدير .
أقول : إنّ هذا الوجه غير صحيح ، فإنّنا لو أردنا أن نتكلَّم بهذه اللغة ، قلنا : إنّ العلم الإجماليّ إنّما يكون مؤثّرا إذا كان علما بتكليف فاعل على كلّ تقدير ، أمّا إذا كان علما بتكليف فعليّ مردّد بين أن يكون فاعلا بالنسبة لي أو غير فاعل بالنسبة لي إلى الأبد ، لعدم تحقّق موضوعه فيّ ، فأيّ قيمة لهذا العلم الإجماليّ ؟ إذن فالمهمّ في الجواب توضيح أنّه تكفي فعليّة الحكم أو فاعليته ( على اختلاف لغات المدارس الأصولية ) في وقته ، وإن كان مستقبلا .
[ 2 ] ويمكن الإيراد - أيضا - على المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه بأنّ العلم الإجمالي المردّد بين حكم العقل وحكم الشرع لا يقبل التنجيز ، لأنّ حكم العقل المحتمل بنفسه لا مؤمّن له ، فاحتمال التنجيز منجّز ، ويبقى الطرف الآخر ، وهو الحكم الشرعي مشكوكا بالشكّ البدويّ ، ومجرى لقاعدة ( قبح العقاب بلا بيان ) .
هامش
( 1 ) راجع القسم الثاني من الجزء الثالث من نهاية الأفكار ، ص 325 . .