لكنّ التحقيق : أنّ هذا الجواب لا يتمّ دائما ، لأنّ ما كان يقول به المحقّقون من الأصوليّين إلى يومنا هذا من أنّ العلم الإجماليّ يستلزم دائما علوما بقضايا شرطيّة بعدد الأطراف ، تاليها ثبوت طرف من هذه الأطراف ومقدّمها انتفاء باقي الأطراف غير صحيح ، لأنّ العلم الإجمالي قد ينتج عن برهان أو ما بحكم البرهان [ 1 ] ، فيتمّ فيه ما ذكر ، وقد ينتج عن حساب الاحتمالات في الأطراف ، كما لو علمنا بنجاسة إناء من أواني هذا المسيحي نتيجة لتراكم احتمالات المساورة الثابتة في تلك الأواني ، وفي مثل ذلك لا يستلزم العلم الإجمالي تلك العلوم ، لأنّه على تقدير انتفاء باقي الأطراف لا يوجد لنا احتمالات نضمّ بعضها إلى بعض ، حتى تولَّد علما في المقام ، فليس لنا علم على هذا التقدير ، ففي مثل ذلك لا يتمّ هذا الجواب مع أنّهم يلتزمون بوجوب الاجتناب ولو فرض كون منشأ العلم للبيّنة هو حساب الاحتمالات .
وامّا المقام الثاني : فيوجد هنا إشكال في تقديم إطلاق دليل حجّيّة البينة ، بعد الفراغ عن صحّتها في نفسها في المقام الأوّل على إطلاق دليل الأصل ، وذلك لأنّه لا يمكن قياس ذلك بفرض قيام البيّنة على نجاسة شيء معيّن ، فإنّه هناك قد عبدنا الشارع بنجاسة هذا الإناء ، وفرض أنّ الأصل إنّما يجري مع عدم العلم بالنجاسة واقعا أو تعبّدا ، فدليل البيّنة ناف لموضوع دليل الأصل بالحكومة أو الورود ، وأمّا فيما نحن فيه ففي كلّ واحد من الإناءين يكون موضوع دليل الأصل تاما ، لعدم العلم بنجاسته واقعا ولا تعبّدا ، غاية الأمر أنّنا نعلم بجامع النجاسة تعبّدا ، أو بالقضيّتين الشرطيّتين بالنحو الَّذي عرفت ، فتقع المعارضة بين دليل حجّية البيّنة ودليل الأصل ، ولا يقاس ما نحن فيه بالعلم الوجدانيّ بنجاسة أحد الإناءين ، فإنّ العلم الوجدانيّ كان منجّزا عقلا أو عقلائيّا ، فدليل الأصل لو أراد إبطال هذه المنجّزيّة ، فهو خلف ما يفرض من عدم تعليقيّة منجّزيّة العلم الإجمالي عقلا ، أو القرينية المتّصلة للارتكاز العقلائي في المقام ، ولو أراد رفع النجاسة واقعا ، فهو خلف عدم التصويب ، ولو أراد رفع العلم ، فهو خلف مفروض المسألة ، وأمّا في المقام فمنجّزيّة البيّنة إنّما ثبتت بإطلاق دليل شرعي ، فيقع التعارض بين هذا الإطلاق
شرح
[ 1 ] كأنّ مقصوده رحمه اللَّه بما بحكم البرهان حساب الاحتمالات في مرحلة أخرى غير احتمالات نفس الأطراف ، كما لو شهد من نقطع بصدقة ، وعدم خطأه بحساب الاحتمالات بأنّه رأى بعينه نجاسة أحد الإناءين .