ثبت في المقام العلم بالجامع تعبّدا ، وذلك ينجّز كلا الطرفين بنفس البيان الَّذي اختاره هناك .
ومنها - المذهب التقليديّ الموروث عن الشيخ الأعظم قدّس سرّه من أنّ الحكم الظاهريّ عبارة عن جعل حكم مماثل للمؤدّى ، على شرط احتمال مطابقته للواقع ، وعليه - أيضا - يشكل الأمر في المقام ، إذ لو فرض جعل الحكم في هذا الطرف بالخصوص ، أو ذاك الطرف بالخصوص ، لم يكن ذلك مماثلا للمؤدّى ، ولو فرض جعل الحكم بالجامع لم تجب الموافقة القطعيّة ، مضافا إلى أنّ هذا خلف فرض اشتراط احتمال المطابقة للواقع لأنّا نعلم أنّ الواقع إمّا هذا بالخصوص ، أو ذاك بالخصوص [ 1 ] ، ومن هنا كان الإشكال على هذا المذهب أشدّ منه على ما مضى .
ثم لو فرضنا عدم احتمال كذب البيّنة ، وإنّ احتمال الخلاف كان منحصرا في احتمال الخطأ والاشتباه ، وسلَّم أيضا - أنّ العلم الإجماليّ يتعلَّق بالواقع لا بالجامع ، فعندئذ يمكن رفع الإشكال على مبنى المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه بأن يقال : إنّ الشارع جعل لنا العلم بما تعلم به البيّنة ، والمفروض تعلَّق علمها بالواقع ، وأنّ علم البيّنة ينجّز عليها وجوب الموافقة القطعيّة ، فإذا جعل لنا علم كعلمها نجّز ذلك علينا وجوب الموافقة القطعيّة .
ولكن لا يمكن رفع الإشكال بذلك على مبنى جعل المنجّزيّة والمعذّريّة ، بأن يقال : إنّ الشارع جعل المنجّزية للواقع ، فإنّنا نحتمل خطأ البيّنة ، وعلى تقدير الخطأ لا يوجد واقع ينجّز ، كما لا يوجد مفاد للبيّنة يقتضي تنجيزه الموافقة القطعيّة ، وهذا بخلاف فرض قيام البيّنة على نجاسة شيء معيّن ، فإنّ الشارع قد جعل هناك مفاد البيّنة منجّزا ، وتنجيز ذاك المفاد يوجب الموافقة القطعيّة ولو فرضت بيّنة خاطئة .
كما لا يمكن أيضا رفع الإشكال بذلك على مبنى الشيخ الأعظم من جعل الحكم المماثل ، بأن يقال : إنّ الشارع حكم بالواقع حكما مماثلا لمفاد البيّنة ، فإنّنا لو علمنا بعدم خطأ البينة ، فقد علمنا وجدانا بنجاسة أحد الإناءين ، ولا حاجة إلى حجّيّة البيّنة ، ولو احتملنا خطأها ، فما معنى حكم الشارع بالواقع ؟ وعلى أيّة حال ، فهذا إشكال تواجهه هذه المدارس ، لانشغالها بالألفاظ عن
شرح
[ 1 ] قد يقال : نكتفي في احتمال المطابقة للواقع بالمقدار الموجود في المقام ، فإنّ مؤدّى البيّنة على تقدير صدقها وعدم خطئها مطابق للواقع بمقدار الجامع ، لأنّ الجامع موجود ضمن الفرد .