تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
يخالفهما ، وأصالة العموم أصل طولي ، فلما ذا قبلتم الرجوع إلى أصالة العموم بعد تعارض الخاصّين وتساقطهما [ 1 ] ؟ قلت : الفرق هو أنّ الأصل الطولي فيما نحن فيه لم يكن في طول سقوط الأصل العرضي المخالف ، إلَّا بالوجه الخامس ، الَّذي قلنا : إنّه ليس عرفيا ، وإنّما كان في طول سقوط الأصل العرضي الموافق له ، وأمّا في مثال الخاصّين مع أصالة العموم ، فالامر بالعكس ، فإنّ أصالة العموم تكون في طول سقوط الخاصّ المخالف ، لا في طول سقوط الخاصّ الموافق له ، وكونه في طول سقوط الخاصّ المخالف له مقبول منّا ، وعرفا ، فإنّ العرف والعقلاء يرون أنّ أصالة العموم إنّما تجري لو لم يكن هناك مخصّص للعامّ حجّة بقطع النّظر عن العامّ ، ومع وجوده لا تصل النوبة إلى العامّ ، وإذا كان الأمر كذلك ، فبعد سقوط الخاصّ عن الحجّيّة ، تصل النوبة إلى العامّ ، وترى أنّ العقلاء بانون على هذا ، أعني : الرجوع إلى العامّ بعد سقوط الخاصّ بالمعارض ، والنكتة في ذلك ما ذكرناه . ثمّ إنّ تمام ما ذكرناه إنّما يكون له موضوع بناء على ما هو مبنى الأصحاب من حكومة بعض الأصول على بعض مع كونها متوافقة . وأمّا بناء على مبنانا - على ما سيأتي تحقيقه إن شاء اللَّه في بحث تعارض الأصول ، من أنّ الأصول المتوافقة ليست لبعضها حكومة على بعض ، وإنّما يقدّم بعض الأصول على بعض في الأصول المتنافية ، حيث يكون بعضها قرينة على إرادة خلاف الظاهر من دليل البعض الآخر ، وهذه القرينة غير موجودة لدى الموافقة - فلا يبقى موضوع لهذا البحث ، وتصبح الأصول الثلاثة النافية كلَّها في عرض واحد ، وتتساقط بالتعارض . وقد تنقّح من تمام ما ذكرناه أنّه في الصورة الأولى ، وهي فرض اختصاص أحد الأطراف في نفسه بالأصل النافي ، لا إشكال ثبوتا في جريان الأصل النافي ، لأنّ المحذور الثبوتي هو المعارضة ، وهي غير موجودة . وأمّا إثباتا فإنّما يجري أصل الحلّ والاستصحاب ، ويلحق به كلّ الأصول التي فيها جهة الكاشفية كقاعدة الفراغ ، واليد ، والتجاوز ، وأصالة الصحة ، ونحو ذلك ، ولا تجري أصالة البراءة ونحوها كأصالة الطهارة ، فإنّ قوله عليه السلام : « كلّ شيء طاهر حتى تعرف أنّه قذر » ، يكون كقوله :
شرح
[ 1 ] على ما هو المشهور من مرجعيّة العامّ في مثل هذا الفرض ، وإن مضى منّا النقاش فيه في المجلَّد السابق ، راجع ص 204 - 208 من ذاك المجلد .