الطولي .
والجواب عن هذا الوجه - وهو جواب عن جملة من الوجوه السابقة - أيضا - : هو أنّ حجّيّة الظهورات الثلاثة ، أعني : ظهور دليل الأصل في الأصل الحاكم ، وكذا الأصل العرضي الآخر وكذلك الأصل الطولي ، لو كانت أثرا لها بقوانين تكوينية ، لصحّ ما عرفته من الوجه ، ولأثر المؤثّر الطولي لا محالة بحكم قوانين الطبيعة الصارمة ، كما أنّه لو كانت الحجّيّة أثرا شرعيا يتمشّى مع موضوعاتها تمشّي التأثيرات التكوينيّة ، بنفس الترتيب الدّقيق الَّذي عرفته في هذا الوجه ، كانت - أيضا - من المتعيّن حجّيّة الأصل الطولي ، لكنّ الأمر ليس كذلك ، وإنّما الحجّيّة أمر ثابت بالارتكاز العقلائي ، فلا بدّ من الرجوع إلى الارتكاز العقلائي ، لنرى أنّه لو لاحظ العرف والعقلاء مثل هذه الظهورات الثلاثة فهل يحصّل منها شيئا ، ويبني على حجّيّته ، أو يراها ظهورات متعارضة ومتكاذبة يتحيّر فيما بينها ، فيحكم بتعارض الجميع وتساقطها ؟ والصحيح : هو الثاني ، وتأخّر الأصل الطولي عن سقوط الأصل العرضي في الطرف الثاني بمثل هذا التدقيق العقلي ، لا يؤثّر في بناء العرف والعقلاء وارتكازهم .
نعم ، لو تمّ الوجه الأوّل لكان عرفيا .
وقد تحصل من جميع ما ذكرناه أنّ الأخذ بالأصل الطولي بعد رفع اليد عن الأصلين العرضيين إذا لم يكونا متسانخين ، ممّا لا أساس له لبطلان جميع الوجوه في المقام .
إن قلت : أيّ فرق بين الأصول العملية والأصول اللفظية ، حيث أنكرتم الرجوع إلى الأصل الطولي بعد سقوط الأصلين العرضيين ، في حين أنّكم تبنون على ذلك في الأصول اللفظية ، فتقولون : إنّه إذا كان لدينا خاصّان متعارضان مع عموم فوقاني نرجع بعد تعارض الخاصّين وتساقطهما إلى العموم الفوقاني ، مع أنّ نفس الخارطة الموجودة في الأصول العملية موجدة في الأصول اللفظية ، فكما أنّه كان فيما نحن فيه أصلان متوافقان في أحد الطرفين ، وأصل مخالف في الطرف الآخر ، وأحد الأصلين المتوافقين طولي ، ولم تقبلوا الرجوع إلى الأصل الطولي ، بعد سقوط الأصل المخالف بالمعارضة لما في عرضه ، لذلك لو ورد : ( أكرم كلّ عالم ) ، وورد : ( أكرم زيدا العالم ) ، وورد : ( لا تكرم زيدا العالم ) ، ففي أحد الطرفين يوجد الخاصّ الأوّل مع أصالة العموم ، وهما متوافقان ، وفي الطرف الآخر يوجد الخاصّ الثاني ، وهو
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 129
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٢٩