ما حملناه عليه سابقا ، من أنّ هذه الشبهة تكون من قبيل الدعاوي الباطلة المهلكة بنفسها ، من باب أنّ الدخول في مطلب من هذا القبيل - ولو فرض معذورا من أوّل الأمر فلا يهلك من ناحية منجزيّة الاحتمال - يؤدّي بالتدريج إلى الانحراف والضلال ، والبعد عن طريق الهدى ، والمعاندة مع الحقّ ، والتعصّب للباطل مع حصول العلم بكونه باطلا .
هذه نكات ثلاث تكفي واحدة منها لرفع اليد عن دلالة هذه الرواية . إلَّا أنّ الأصوليّين كأنّهم أخذوا كلّ هذه الجهات مفروغا عنها ، وفهموا من الرواية ما يناسب أنسهم الذهنيّ بالمصطلحات الأصوليّة ، فلم يعترضوا عليها بمثل هذه الاعتراضات ، بل اعترضوا عليها باعتراض آخر .
وحاصل ما أفادوه هو أنّ ظاهر هذه الرواية هو فرض الهلكة في المرتبة السابقة على الأمر بالوقوف عند الشبهة ، ولذا علَّلت الأمر بالوقوف بأنّ المورد من مظانّ الهلكة ، وعليه فيستحيل ان يكون الأمر بالوقوف أمرا مولويّا منجّزا للواقع ، فإنّ الأمر المولويّ المنجّز للواقع يترتّب عليه الهلكة ، لا أنّه يعلَّل بالهلكة ويترتّب على ثبوتها في المرتبة السابقة ، إذن فيختصّ الأمر بالوقوف بموارد تنجز الواقع في المرتبة السابقة عليه وبقطع النّظر عنه ، فلا يشمل الشبهات البدوية بعد الفحص ، لأنّه بقطع النّظر عن هذا الأمر تكون تلك الشبهات موردا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 414
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤١٤