قبح العقاب بفرض الشكّ ، بحيث يكون العقاب عند العلم بالعدم وجدانا ، أو تعبّدا غير قبيح ، فهذا واضح البطلان ، وإنّما المقصود المتعقّل في المقام هو دعوى : أنّ حصّة من قبح العقاب مختصّة بصورة الشكّ واللابيان من كلا الطرفين ، وأنّ هذه الحصّة هي المحمول في القاعدة ، فيرتفع موضوع القاعدة بالاستصحاب ، ويثبت عندئذ قبح آخر مغاير للقبح الأوّل .
والواقع : أنّ هذا الكلام غير صحيح كما يتّضح ذلك بالنظر إلى ما مضى منّا من أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان مرجعها في الحقيقة إلى قاعدة قبح العقاب بلا حقّ المولويّة ، فملاك هذا القبح إنّما هو عدم حقّ المولويّة ، وحقّ المولويّة مخصوص - حسب الفرض - بفرض الوصول ، فعدم هذا الحقّ ثابت حتى في فرض وصول العدم ، فيثبت نفس القبح الَّذي كان ثابتا في فرض اللابيان من كلا الطرفين ، غاية الأمر اشتداد القبح بالعلم بعدم التكليف ، لأنّه عند الشكّ يكون الحقّ الاستحبابيّ ثابتا ، وعند العلم بالعدم ينتفي كلا الحقّين الوجوبيّ والاستحبابيّ .
ولو فرضنا أنّ ملاك عدم الحقّ في الشكّ غير ملاك عدم الحقّ في العلم بالخلاف لم يكن هذا محصّصا للعدم ، فإنّ العدم إنّما يتحصّص بتحصّص ما يضاف إليه ، لا بتعدّد الملاك .
وإذا ظهر أنّ موضوع القاعدة هو عد وصول التكليف الثابت حتى عند وصول العدم عرفت أنّه لا معنى لتقدّم الاستصحاب عليها .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 293
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٩٣