تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
والجواب - بعد غضّ النّظر عن كون الاصطلاح الثابت اليوم للفاسق ثابتا في زمان نزول الآية غير معلوم ، فلعلّ المقصود به في الآية لم يكن هو الفاسق بهذا المعنى المصطلح وهو العاصي مثلا ، وإنّما المقصود به في الآية هو الفسق بمعناه اللغوي وهو الانحراف ، وعلى هذا تكون دعوى كون المقصود الظاهر بمناسبة الحكم والموضوع الانحراف فيما حكم بالتبيّن فيه وهو النبأ غير بعيدة - : أنّ هذه الآية معلَّلة بقوله : » أن تصيبوا قوما بجهالة . . . « والجهالة فيها إمّا أن نقول بظهورها في الجهالة العملية ، أي السفاهة والعمل غير العقلائي ، أو نقول بظهورها في الجهالة الاعتقادية ، أي خلاف العلم ، أو نقول بإجمالها بينهما . فإن قلنا بالأول سقطت الآية عن الدلالة ، إذ التعليل عندئذ يوجب اختصاص الحكم بكلّ خبر كان العمل به غير عقلائي ويعدّ سفهيا ، وخبر الثقة غير العادل إن لم نقل بكون العمل به عقلائيا جزما ، فلا أقلّ من أنّنا غير جازمين بسفهيته في نظر العقلاء ورفضهم للعمل به . وإن قلنا بالثالث سقطت الآية أيضا عن الدلالة ، لأنّ المفروض أنّ كلمة الجهالة مجملة بين احتمالين . وأنّها على أحد الاحتمالين ، وهو احتمال كون المراد بها السفاهة ، غير دالَّة على المقصود . وإن قلنا بالثاني فالآية عندئذ وإن دلَّت على عدم حجيّة خبر الفاسق والنسبة بينه وبين الثقة عموم من وجه ، لكن إذا لاحظنا التعليل رأينا أنّ النسبة بين التعليل ودليل حجيّة خبر الثقة إنّما هي العموم المطلق ، لأنّ التعليل يدلّ على عدم حجيّة كلّ خبر غير علمي ، ومن المعلوم أنّ خبر الثقة غير العلمي أخصّ من ذلك ، فيقدّم دليل حجيّته على هذا التعليل ، وبعد هذا لا يبقى مجال للتمسّك بإطلاق الحكم المعلَّل في الآية ، وهو قوله : إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا ، بدعوى أنّه يشمل الفاسق الثقة ، فيعارض دليل