المثال الأوّل - أن يفرض القطع بغالبية درجة وثاقته على أيّ داع للكذب يحتمل وجوده في المقام ، ولكن نحتمل طروّ حالة في نفسه في زمان نقله لهذا الخبر صدفة تجعلها مغلوبة لأيّ داع من دواعي الكذب ، وكان هذا الاحتمال ضعيفا لكون طروّ مثل هذه الحالة صدفة نادرة ، والغالب في الوثاقة دفعها لمثل هذه الحالات وغلبتها عليها ، وفي مثل ذلك لا إشكال في أنّه يسند الظنّ بالصدق إلى الوثاقة .
والمثال الثاني - أن يفرض أنّ أصل وجود الداعي للكذب مشكوك ، وأنّه على فرض وجوده يكون مردّدا بين الغالب على الوثاقة والمغلوب لها ، إمّا للشكّ في درجة الداعي ، أو في درجة الوثاقة ، أو في الحالة النفسيّة للراوي في وقت الرواية ، فيحصل الظنّ بالصدق لأنّه على تقدير عدم الداعي للكذب ، وعلى أحد تقديري وجوده يكون صادقا ، وعلى تقدير واحد من تقديري وجوده يكون كاذبا ، فالظنّ هنا نشأ من عاملين ، أحدهما احتمال عدم داعي الكذب في نفسه ، والثاني احتمال غلبة الوثاقة .
المثال الثالث - أن يفرض كون الداعي الكذبي على فرض وجوده مردّدا بين دواع عديدة يكون ما ثبت للراوي من الوثاقة غالبا على أكثرها ، فلا نحتاج في حصول الظنّ بالصدق إلى عامل احتمال عدم داعي الكذب ، بل هو حاصل حتى بقطع النّظر عنه .
المنشأ الثالث - في فرض تساوي درجة الوثاقة وداعي الكذب الَّذي وجد صدفة . وعندئذ لو بنينا على مبنى الفلاسفة من استحالة الترجيح بلا مرجّح حتى في الاختيارات ، فالنتيجة أنّ هذا الشخص لا يخبر أصلا فلا يبقى موضوع للشكّ في صدقه وكذبه ، إلَّا إذا وجد مرجّح تكويني في أحد المبادئ العالية حسب ما يقولون ، واحتمال وجود مرجّح للصدق مساو لاحتمال وجود مرجّح للكذب ، فيتساوى احتمال صدقه وكذبه ، ولا يبقى كشف للخبر .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 576
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥٧٦