فإنّ العبرة إنّما هي بأن تكون رواية كلّ واسطة من الوسائط في نفسها موثوقا بها . وأمّا الضعف الناشئ في النتيجة لأجل الوسائط فيغضّ النّظر عنه [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] والسبب في ذلك أنّ دليل حجّيّة خبر الثقة إمّا أن يفترض شموله للإخبار عن الأخبار أو يفترض اختصاصه بالإخبار عن كلام المعصوم . فكلّ دليل من أدلَّة حجّيّة خبر الثقة فرض شموله للاخبار عن الأخبار فمن الواضح أن إشكال ضعف الموثوقيّة الناشئ من تعدّد الوسائط محلول بلحاظه ، لأنّ الخبر مع الوسائط منحلّ في الحقيقة إلى عدّة أخبار كلّ منها في ذاته رواية واجدة للموثوقيّة حسب الفرض ، وكلّ منها يثبت موضوع حجيّة الخبر الَّذي كان قبله إلى أن نصل إلى كلام الإمام .
وكلّ دليل من أدلة حجّيّة خبر الثقة فرض اختصاصه بالإخبار عن كلام المعصوم فأيضا إشكال ضعف الموثوقيّة في الخبر مع الوسائط محلول بلحاظ ما دمنا فرضنا شموله للخبر مع الواسطة عند عدم ضعف الموثوقية ، وذلك لما عرفت في ما مضى من أنّ الخبر مع الواسطة يرجع إلى الخبر بلا واسطة ، فالوسيط الثاني مثلا يقول : لو لم يكذب الوسيط الأول فالإمام قال كذا ، وهذا خبر بلا واسطة يتمتّع بالموثوقيّة ، وشرط القضيّة الشرطيّة ثابت تعبّدا .
نعم لو فرضنا أنّ الحجّيّة ليست للخبر الموثوق وإنّما الحجّيّة لنفس تلك الدرجة من الوثوق الفعلي برأي المعصوم ، فمن الواضح أنّ تكثّر الوسائط يضرّ بذلك ، إلَّا أنّ هذا خلاف مفروض الكلام كما هو واضح .
يبقى الإشكال في الاستدلال بسيرة أصحاب الأئمّة عليهم السّلام الدالَّة على حجّيّة خبر الثقة مع الوسائط حيث قد يقال : إنّ الوسائط في زمن الحضور كانت أقل من عدد الوسائط الموجود لدينا الآن بالنسبة لبعض الروايات فسيرتهم على حجّية الخبر مع الوسائط بالعدد المألوف وقتئذ لا تدلّ على الحجّيّة في ما إذا كثرت الوسائط بأكثر من ذاك المقدار المألوف آنذاك .
والجواب : أنّه بعد فرض حلّ إشكال الموثوقيّة بالبيان الَّذي عرفت يكون المفهوم المرتكز عندهم عدم الفرق بين قلَّة الوسائط أو كثرتها ما دام الخبر مهما تكثّرت وسائطه ينحلّ إلى عدّة أخبار بلا واسطة ، أو يرجع إلى الإخبار عن كلام المعصوم بلا واسطة ، فإن الفرق بعد هذا الفرض غير عرفي ، فإذا كان المعصوم عليه السّلام غير راض بهذا الفهم كان عليه الردع ، فإنّ تكثّر الوسائط في مستقبل الزمان كان مترقّبا في ذاك الزمان ، وليس ممّا حدث في الأزمنة المتأخّرة من دون ترقّب حدوثه المتأخر منذ البدء كي يقال : إنّ السكوت عنه ليس دليل الإمضاء .