الأول - حكم العقلاء بما لهم من عقل لا بما هم عقلاء بالحجّية ، بمعنى إدراك العقل العملي لكفاية العمل بالظواهر أو بخبر الثقة مثلا في مقام الإطاعة والامتثال . وهذا ما يظهر بالتدقيق في كلام المحقّق الخراسانيّ - رحمه الله - إلَّا أنّه لما كان شيئا بعيدا عن الأذهان علَّق عليه المحقّق الأصفهانيّ - قدّس سرّه - [ 1 ] بأنّ هذا الحكم من قبل العقل إنّما يكون بعد مقدّمات الانسداد بأن يثبت مثلا أنّ الامتثال القطعي غير ممكن ، وأنّ الاحتياط غير واجب ، فيحكم العقل بحجيّة خبر الثقة مثلا . أقول : إنّ المقصود من هذا الوجه ليس ما يرتبط بمقدّمات من قبيل مقدّمات الانسداد ، وإنّما روح هذا الوجه وجوهره دعوى القصور الذاتي ابتداء في دائرة حقّ المولويّة ، وأنّ المولى من أول الأمر ليس له حقّ الطاعة في دائرة ما يخالف الظواهر وأخبار الثقات مثلا . الثاني - حكم العقلاء بالحجيّة التعبديّة الجعليّة ، وهذا الحكم من قبلهم يكون بما هم موالي لا بما هم عقلاء ، فإنّ العقلاء بما هم عقلاء ليس لهم جعل وتشريع ، وإنّما يكون الجعل والتشريع لهم بما هم موالي . وروح هذا الوجه وجوهره هو أنّ كلّ فرد من أفراد العقلاء تكون فيه دواع ودوافع لو تقمّص بقميص المولويّة لدفعته تلك الدوافع نحو جعل حجّية خبر الثقة أو الظواهر مثلا لعبيده . الثالث - جري العقلاء بما لهم من مصالح تكوينيّة وعلاقات وأغراض على العمل بخبر الثقة ، فالتاجر يعتمد في تجارته على قول من هو ثقة بحسب عالم التجارة ، والعامل يعتمد في عمله على قول من هو ثقة بحسب عمله ، ومن ينتظر مجيء صديق له من السفر ، ويقصد زيارته لدى الرجوع يعتمد على إخبار الثقة بمجيئه و . . . ما إلى ذلك ( 1 ) . هذه هي الصور المتصوّرة للسيرة العقلائية في
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 519
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٥١٩
شرح
[ 1 ] وهناك صورة رابعة للسيرة العقلائية ، وهي افتراض أنّ المولويّات المجعولة عقلائيا مجعوله في دائرة الظهور ، أو خبر الثقة ، ولا تمتد إلى ما يخالف الظهور أو خبر الثقة مثلا .
هامش
( 1 ) راجع نهاية الدراية جزء 2 ص 92 . .