ونسيها بسبب البعد عن المنبهات وعن عالم الإنسانيّة ، وعلى الكتاب باعتبار تمثّل الرسالة فيه ، وعلى الرسول باعتبار كونه حاملا للرسالة ، ولو تصفّحت في القرآن الكريم لوجدت موارد كثيرة ممّا استعمل فيها كلمة الكذر تناسب هذا المعنى الَّذي ذكرناه لا معنى العلم ، كما قال اللَّه تعالى : » إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون « . وقال تعالى : » ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذّكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون « .
ولعل المقصود بقوله من بعد الذّكر يعني من بعد التوراة باعتبار كون الزبور فرعا لها . وقال تعالى : » ولقد أنزلنا كتابا فيه ذكركم « . وقال تعالى : » وأنزلنا إليك الذّكر لتبيّن للنّاس ما نزّل إليهم « .
فإذا فسّرنا الذّكر في آية السؤال بمعنى الرسالة كانت هذه قرينة أخرى غير ما مضى في الإشكال الثاني على كون الآية واردة في أصل من أصول الرسالة ، وأنّه لا إطلاق فيها للأحكام . فإنّ المقصود بالخطاب من لا يعرف أصول الرسالة ودلالته على السؤال عن أهل الذّكر ، أي أهل الرسالة والكتاب العارفين بأصول الرسالة .
ولا أقلّ من أنّ ما ذكرناه من المعنى للذكر ليس بأبعد من تفسيره بالعلم ، فإن تفسيره بالعلم لم يكن على أساس المعنى اللَّغوي ، وإنّما كان على أساس التوجيه بأنّ الذّكر من التذكَّر المستلزم للعلم فاستعمل في العلم .
ورابعا - أنّ المحتملات في قوله في ذيل الآية : ( إن كنتم لا تعلمون ) عديدة :
الأوّل - أن يكون المقصود به مجرّد التعليق من قبيل : إن استطعت فحجّ ، وعليه يتمّ الاستدلال بالآية بغضّ النّظر عن باقي الإشكالات .
والثاني - أن يكون المقصود به ذكر أمد الحكم ، أي فاسألوا أهل الذّكر إلى أن تعلموا ، نظير قولك : إن لم تكن مجتهدا فادرس ، أي ادرس
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 478
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٧٨