تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
شرح
- ( إحداهما ) قوله : » أذن خير لكم « ، إذ لو كان المقصود بذلك التصديق بمعنى ترتيب الآثار لما كان أذن خير للجميع ، إذ لو أخبره أحد بزنا أحد ، أو شربه ، أو قذفه ، أو ارتداده ، فقتله النبي صلى الله عليه وآله ، أو جلده لم يكن في سماعه ذلك الخبر خير للمخبر عنه ، بل كان محض الشرّ له خصوصا مع عدم صدور الفعل منه في الواقع . انتهى ما أوردنا نقله عن الشيخ - رحمه الله - . وقد يقول قائل : إنّ قوله : » أذن خير لكم « إنّما يدلّ على كونه أذن خير للذين يسمعهم لا على كونه أذن خير للجميع . ولكن الواقع أنّ لسان الآية الظاهر في إبراز رحمة النبي وعطفه وحنانه لا يناسب فرض تصديق المخبر بالشكل الَّذي يوجب إنزال الغضب والعذاب على المخبر عنه ، وإنّما يناسب التصديق بمعناه الأخلاقي ، ولعلّ هذا هو مقصود الشيخ الأعظم - رحمه الله - ، بل إنّ لسان إبراز الرحمة والعطف لا علاقة له بالحجّية التعبّدية . ( والثانية ) تكرار كلمة يؤمن ، والاختلاف في حرف التعبّدية حيث عدّاها إلى اسم الجلالة بالباء ، وإلى المؤمنين باللام ، فالتكرار ، وكذا الاختلاف في حرف التعديّة قرينة على اختلاف معنى الإيمان في الموردين . ويرد عليه : أنّ هذا التكرار ، والاختلاف إنّما هو لأجل أنّ المقصود من الإيمان با لله هو الإيمان بذاته ، والمقصود من الإيمان للمؤمنين هو تصديق كلامهم . وممّا يؤيد كون المقصود بالإيمان هو التصديق الأخلاقي ما قيل عن مورد نزول الآية من أنّ الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وآله بنميمة عبد الله بن نفيل على النبي فعاتبه الرسول صلى الله عليه وآله ، فحلف أنّه لم يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله قد قبلت منك فاتّهم النبي صلى الله عليه وآله بأنّه أذن . وللشيخ الأعظم - رحمه الله - بهذا أنّ الله تعالى مدح نبيه صلى الله عليه وآله بتقمّصه ظاهرا قميص من هو سريع الاعتقاد ، ويكفي في ذلك التصديق الأخلاقي ولا علاقة للحجّية التعبّدية بذلك ، فهذا يرجع بروحه إلى قرينة أخرى على كون المراد بالإيمان التصديق الأخلاقي . أمّا لو أردنا أن نأخذ بظاهر كلام الشيخ كي يصلح وجها مستقلا للجواب في مقابل الحمل على التصديق الأخلاقي فهو واضح البطلان ، إذ لا يعقل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله سريع التصديق والاعتقاد بما يسمعه ، ولا يعقل مدح الله تعالى إيّاه بذلك .