أو لإنسان آخر يعيش في هذا العرض العريض المكاني أو الزماني الَّذي سيصله هذا الإنذار ، وسيحصل له العلم بسبب هذا الإنذار ، ولو بمعونة ضمّه إلى إنذار منذرين آخرين . فالمولى قد أوجب الإنذار على الإطلاق رغم أنّ الحذر لم يكن واجبا إلَّا عند حصول العلم ، وذلك بغرض الحفاظ على الملاك في مورد يوجب الإنذار العلم ، ولكنّ العبد يتخيّل عدم تأثير إنذاره في حصول العلم لأحد .
وأمّا الوجه الثالث - وهو أنّ الحذر غاية للإنذار الواجب ، وغاية الواجب واجبة . فيرد عليه :
أنّ الصغرى وإن كانت مقبولة وهي أنّ الحذر جعل غاية للإنذار لكن الكبرى غير مقبولة ، وهي دعوى أنّ غاية الواجب إذا كانت اختيارية فلا بدّ أن تكون واجبة ، وذلك لأنّ العقل وإن كان يحكم بأنّ غاية الواجب محبوبة للمولى بدرجة لا تقلّ عن محبوبية ذي الغاية ، لأنّ محبوبيّة ذي الغاية إنّما جاءت من محبوبيّة الغاية ، لكن هذه المحبوبيّة للغاية إنّما هي ملاك اقتضائي لوجوبها ، وقد يمنع عن تأثيره في فعليّة الوجوب مانع ، وهو التزاحم بين هذا الملاك وملاك آخر ، فمن المحتمل مثلا أنّ ملاك إيجاب الحذر كان مزاحما بمفسدة الكلفة والمئونة الثابتة في لزوم الحذر عند عدم العلم ، وكان الملاك الثاني مقدّما في نظر المولى على الملاك الأوّل فلم يوجب الحذر ، ولكن ذلك لا ينافي إيجاب الإنذار .
توضيح ذلك : أنّ للحذر أبوابا متعدّدة من أبواب العدم . منها : باب عدمه الناشئ من عدم إيجاب الحذر عند الإنذار مع عدم حصول العلم ، ولولا المزاحمة مع ملاك الكلفة والمئونة لكان المولى يسدّ جميع أبواب العدم التي تكون من قبله ، لكن هذه المزاحمة أوجبت رفع يده عن سدّ باب العدم ، إلَّا أنّ الضرورة تتقدّر بقدرها ، أي أنّ المزاحمة إنّما تؤثر في دائرة التزاحم لا في نطاق أوسع ، وملاك الكلفة والمئونة إنّما يزاحم سدّ باب عدم الحذر الناشئ
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 464
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٦٤