وصحّة نقله عن ذاك الشخص الآخر يأتي احتمال مخالفة نقل ذاك الشخص الآخر للواقع ، فالقيمة الاحتمالية لموافقة الخبر للواقع قلَّت لا محالة .
وهذا الكلام يتكرّر كلَّما ازدادت الوسائط ، ويتناسب الضعف طرديا مع كثرة الوسائط . فإذا كان وجود الواسطة في الخبر مؤثرا في ضعف قيمته فلا محالة يكون احتمال الفرق موجودا . فحجّية الخبر بلا واسطة لا تستلزم حجّية الخبر مع الواسطة .
نعم احتمال الفرق إنّما يرد بلحاظ الأدلَّة اللَّفظية بحجّية الخبر ، أمّا بلحاظ الأدلَّة اللَّبية فلا يوجد احتمال الفرق . ولكن الإشكال من أوّل الأمر لم يكن واردا بلحاظ الأدلَّة اللَّبية ، بل كان مختصّا بالأدلَّة اللَّفظيّة كما مضى بيانه .
الجواب الثاني - ما أفاده المحقّق الخراسانيّ - رحمه الله - من أنّ متعلَّق الحكم هو طبيعة الأثر لا خصوص أثر الحجّية كي يلزم اتّحاد الحكم والموضوع . ولا يقصد - رحمه الله - بكون القضيّة طبيعيّة ، المعنى الَّذي يقصد في قولهم : ( إنّ الإنسان نوع قضية طبيعية ) ، أي أنّه لم تلحظ فيها جهة انطباقها على الأفراد فالحكم فيها لا يسري إلى الأفراد ، بل يقف على الطبيعة في عالم تباينها مع الأفراد وعدم انطباقها عليها ، وهو عالم الذهن مثلا . وإنّما يقصد - رحمه الله - بكون الحكم على الطبيعة : أنّ الحكم لم ينصب في القضية ابتداء على الأفراد ، بل انصبّ على الطبيعة وسرى إلى الأفراد باعتبار انطباقها عليها ، فإذا انصبّ الحكم ابتداء على طبيعة الأثر المغايرة لأفراده - وإن كانت تنطبق عليها - فهذا كاف في المغايرة التي لا بدّ منها بين الموضوع والحكم ، فالحجّية فرد من أفراد الأثر ، وفي نفس الوقت الحجّية حكم ولكن ليس موضوع هذا الحكم نفس الحجّية كي يلزم اتّحاد الحكم والموضوع ، وإنّما موضوعه طبيعي الأثر وهو غير الحجّية ، وهو وإن كان منطبقا على الحجّية ، وكان هذا الانطباق موجبا لسريان الحكم إلى هذا
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 447
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٤٤٧