بمعنى اللَّابديّة العقلية ، أي أنّ العقل أدرك أنّه لا بد من العلم . ومن الواضح أنّ اللَّابديّة العقليّة لشيء لا تنتفي بثبوت ذلك الشيء ، ولا بديّة العلم إنّما تنتفي بقيام الحجّة ، إذ مع الحجّية لا حاجة إلى العلم ، فمفهوم الآية مساوق للحجّية بلا حاجة إلى مقدّمة الأسوئيّة [ 1 ] .
الاحتمال الثالث - ما اختاره المحقّق العراقي - رحمه الله - بناء على كون المراد بالتبيّن ما يعمّ الظنّ . وقد أفاد - قدّس سرّه - أنّه بناء على هذا لا يمكن أن يكون الأمر بالتبيّن إرشادا إلى حكم العقل ، لأنّ العقل لا يكتفي بالظنّ ، بل يكون الأمر بالتبيّن أمرا مقدّميا وغيريّا ناشئا من أمر نفسي طريقي
شرح
[ 1 ] هذا الإشكال أيضا لا يمسّ روح برهان المحقّق العراقي - رحمه الله - وإنّما يمسّ تعبيره القائل بأن ( عدم وجوب التبيّن عن خبر العادل قد يكون للعلم بكذبه ) بناء على أن يكون مقصوده بذلك العلم الوجداني ، ومن المحتمل أن يكون مقصوده العلم التعبّدي ، إذ من الواضح أنّه لا علم وجداني بكذب خبر العادل ومورد العلم بالكذب خارج عن محل البحث ، ونفي علمنا بكذب خبر العادل ليس بنكتة عدم الأسوئية ، بل أمر وجداني بنفسه ، فلعلّ مقصوده العلم التعبّدي ، أي كون خبر العادل حجّة في إثبات نقيضه ، فكأنّه يقول : إنّ عدم وجوب التبيّن عن خبر العادل يكون لأحد أمرين : إمّا لحجّية خبر العادل في إثبات مفاده فالحجّية تغني عن لا بديّة العلم ، وإمّا لحجيّة خبر العادل في إثبات نقيض مفاده ، فالحجّة أيضا تغني عن لا بدية العلم .
والثاني يستلزم أسوئيّة حال العادل من الفاسق ، فيتعيّن الأول . فإن كان هذا هو مقصود المحقّق العراقي ، أو غيّرنا ما فرضه من العلم بكذب خبر العادل إلى فرض حجّية خبر العادل في إثبات نقيض مفاده لم يرد عليه الإشكال الَّذي أفاده أستاذنا الشهيد . نعم يرد عليه على كلّ حال :
أنّ العلم بكذب خبر العادل سواء كان بمعنى العلم الوجداني أو العلم التعبّدي مقطوع العدم في نفسه بلا حاجة إلى مقدّمة الأسوئية ، أمّا العلم الوجداني بالكذب فواضح ، فإنّ محل بحثنا إنّما هو فرض عدم العلم ، وأمّا العلم التعبّدي بالكذب ، فلأنّنا نعلم أنّه لم يجعل خبر أيّ شخص في الشريعة سواء كان عادلا متنسكا ، أو فاسقا متهتكا ، أو شيطانا مريدا أمارة على خلاف مفاده ولا يرتبط علمنا هذا بمسألة لزوم الأسوئية ، فأمر خبر العادل بذاته دائر بين ان يكون حجّة في إثبات مفاده وأن لا يكون حجّة ، وعلى الثاني يجب التبيّن ، فمفهوم الآية الدال على عدم وجوب التبيّن يدلّ لا محالة على الحجّية بلا حاجة إلى مقدّمة الأسوئية .