والصواب ، وأضفت أشياء من عندي من الحدس والتخمين ، قبل منه ، فإنّ مثل هذا الأمر غير محتمل بشأن العقلاء ، والحدسية توجب الضعف لا القوّة ، وفرض كون ما يوجب الضعف دخيلا في الحجّية وما يوجب القوّة مانعا عن الحجّية مطلب غير مناسب لارتكاز العقلاء الذين يكون جعل الحجّية عندهم بملاك الكشف والطريقية .
والَّذي دعا هؤلاء العلماء إلى مثل هذا التفصيل هو استثناء باب الشهادة بناء على عدم حجّية خبر الواحد في القضايا الجزئية من قبيل حياة زيد وموت عمرو ، فتخيّل أنّ الميزان الفاصل في السيرة العقلائية إنّما هو كون الخبرة حسية أو حدسية ، بينما ليس الأمر كذلك .
وإنّما الميزان الفاصل هو كون جهة الإخبار مربوطة بمطلب حياتي عامّ يحتاج استيعابه وتفهم خصوصياته إلى تفرّغ وتخصّص فبمقتضى قانون العمل بين الناس خصّص لكلّ مطلب من هذا القبيل جماعة يتّبعون في مقام تحصيل قضاياه على أساس الخبرة الحدسيّة أو الحسّية ، حيث إنّه لو صار البناء على أنّ كلّ إنسان لا يبني موقفه إلَّا على أساس الخبرات التي يحصّلها ويعمل بصحتها بنفسه ، ككيفية معالجته لمريضه ، أو بنائه لداره ، أو ما شابه ذلك لتوقّفت الحياة ، ولا يسع عمر الإنسان للتفرّغ لتحصيل كلّ هذه العلوم خصوص الإنسان الميداني الَّذي يشتغل في الميادين الحياتية ، فلهذه النكتة فرضت في القضايا العامّة التي ترتبط بالحياة ارتباطا عامّا فكرة التخصّص والرجوع إلى المتخصصين . وهذا بخلاف الجهات الجزئية كموت زيد وحياته ووجوده في الدار ونحو ذلك من القضايا الجزئية والأمور المحسوسة ، فهذه أدوار يمكن طيّها لكلّ إنسان بمجرّد أن يتصدّى للاطلاع عليها وترتيب الآثار عليها الخارج ، وليست من الأمور التي تكون بحاجة إلى التفرّغ والتخصص . فالتفصيل في السيرة العقلائية إنّما هو بين القضايا العامّة والجزئية لا بين الحدس والحسّ ، ففي القضايا العامّة التي هي بحاجة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 260
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٦٠