في الحقيقة منها من المجاز ، واللغوي قد نقل لنا : أنّ هذا اللفظ لم يستعمل إلَّا في المعنى الفلاني فلا بدّ أن يكون هو المراد من النص ، ومن البعيد جدا أن يكون له معنيان وموردان للاستعمال ومع هذا يخفى أحدهما على اللغوي .
ثالثها - ما لو أحرزنا أنّ هذا اللفظ لم يرد به بعض معانيه كما لو قال لنا اللغوي : إنّ موارد استعمال اللفظ الفلاني ثلاثة وشخّصها لنا ، ونحن قد حصلنا على قرينة بلحاظ نصّنا الشرعي تدلّ على أنّ المعنى الأول والثاني غير مقصودين من هذا النص فيتعيّن حمله على المعنى الثالث ، وليس هذا من تشخيص الحقيقة عن المجاز بل من باب تعيين موارد الاستعمال .
وأمّا القول بأنّ إخبار اللغوي عن موارد الاستعمال إخبار عن حسّ وليس إخبارا عن حدس كي يشمله بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة فيرد عليه :
أولا - إنّ في كثير من الموارد يكون تعيين موارد الاستعمال قائما على أساس الحدس ، فإنّ تعيين أصل المعنى المستعمل فيه اللفظ قد يكون قريبا من الحسّ ، إلَّا أنّ تعيين حدود المعنى وقيوده وإطلاقه وضيقه ممّا لا بدّ فيه من استعمال الحدس في كثير من الأوقات ، فإنّ اللغويين كانوا يتتبعون كلمات العرب واستعمالاتهم في جزئيات الموارد فيجمعونها وينتزعون منها بعد إلغاء الخصوصيات التي يمتاز بها فرد من أفراد مورد الاستعمال عن آخر جامعا كي يعرفوا أنّ هذا هو المعنى المستعمل فيه ، وعمليّة انتزاع هذا الجامع عمليّة حدسيّة واجتهادية وليست حسّية .
وثانيا - إنّ معنى بناء العقلاء على الرجوع إلى أهل الخبرة منضمّا إلى عدم حجّية خبر الواحد في موضوعات من قبيل موت زيد وحياة عمرو - لو قلنا به - لا يعني اختصاص الحجّية العقلائية لقول أهل الخبرة بالخبرة الحدسية بأن يكون الحدس أولى بالاعتماد عليه من الحسّ ، فلو قال : رأيت بعيني ، لم يقبل منه ولو قال : إنّي أعمل نظرا واجتهادا يكون في معرض الخطأ
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 259
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٥٩