هذا النزاع بين المتقدّمين والمتأخرين بنيت مسألة احتمال قرينية المتصل ، فلو كانت العبرة في أصالة الحقيقة بالوضع ، فقرينيّة المتصل لا تنافي ثبوت الوضع ، ومع ثبوت الوضع تجري أصالة الحقيقة ما دمنا نحتمل إرادة الحقيقة ، ولكن بما أنّ العبرة بالظهور الفعلي لا بالوضع ، فالاحتفاف بمحتمل القرينيّة لا يبقي مجالا للحجّية ، لأنّه يفني أصل الظهور ، وبما أنّ الصحيح هو المبنى الثاني ، فلا مجال لطرح هذه المسألة في المقام بعنوان الشكّ في الظهور ، بل لا بدّ من طرح عنوان آخر . هذا ما ينتزع من كلمات القوم من التوهّم بالنسبة لطرح هذه المسألة بعنوان الشكّ في الظهور .
وهذا يعني أنّه فرض أمر موضوع الحجّية مرددا بين الوضع والظهور الفعلي ، وبما أنّنا لا نقول بأنّ موضوع الحجّية هو الوضع ، وإلَّا لزم جريان أصالة الحقيقة عند الشكّ في قرينية المتصل ، بينما لا نلتزم بذلك ، إذن فلزم القول بأنّ موضوع الحجّية هو الظهور الفعلي وهو أمر لا معنى للشكّ فيه .
والواقع أنّ توهّم دوران الأمر بين هذين الشقين أوجب كثيرا من التفريعات والمغالطات في كلمات الأصوليين المتأخّرين التي لم تكن موجودة في كلمات الأصوليين المتقدّمين ، والصحيح أنّ موضوع الحجيّة ليس أمره مردّدا بين الوضع والظهور الفعلي بالمعنى الَّذي لا يمكن الشكّ فيه ، بل هناك أمر ثالث نختار كونه موضوعا للحجّية بإمكاننا أن نعبّر عنه بالظهور اللَّغوي [ 1 ] ، ومعه نستطيع أن نجمع بين إمكانيّة الشكّ في الظهور من ناحية وبين عدم جريان أصالة الحقيقة عند الشكّ في قرينيّة المتصل من ناحية أخرى ، ولا نقصد بالظهور اللَّغوي ما نسب إلى المتقدّمين جعله موضوعا للحجّية من المعنى المستفاد من حاقّ الوضع ، كي يلزم من ذلك جريان أصالة الحقيقة عند الشكّ في قرينيّة المتصل ، بل نقصد به الدلالة
شرح
[ 1 ] وهذا ما سمّاه أستاذنا الشهيد - رحمه الله - في الحلقة الثالثة من حلقات كتابه ( دروس في علم الأصول ) بالظهور الموضوعي وسمّي الظهور الفعلي هناك بالظهور الذاتي .