البشر وتوجيههم إلى طريق الحق ، وصنع الإنسان الصالح المؤمن السعيد في دنياه وآخرته ، فعندئذ يقاس مقدار نجاح هذا الكاتب وكماله بمقدار حصول هذا الغرض وإحاطته بالجهات الدخيلة في ذلك ، والقرآن بالغ في ذلك حدّ الإعجاز ، ويتحدّى الناس بذلك حتى يومنا هذا ، وهذا يقتضي عكس ما ادّعيتم ، فإنّ هذا الغرض لا يحصل ببيان الألغاز العلميّة والرموز الفنيّة البعيدة عن فهم الناس ، لأنّ هذه لا تخلق الناس الصالحين بل لا بدّ من ذكر تمام المؤثرات الدخيلة في تغيير الإنسان روحيّا وخلقيّا وفكريّا وعاطفيا وسائر النواحي الإنسانيّة . ولا بد أن تكون المعاني واضحة ميسّرة ، وملتقية مع عواطف الناس ومشاعرهم وأحاسيسهم ، وقادرة على النفوذ إلى قلوب الناس كي تغيّر هذه القلوب وتخرجها من الظلمات إلى النور .
وهكذا كان الكتاب الكريم ، ولذا كان المشركون يهتدون بسماع بضع آيات كانت تنفذ في قلوبهم وتنير بالإيمان عقولهم .
وأمّا ثانيا - فلأنّنا لا نتصور إعجازا يؤدّي إلى هذا الغموض والإجمال في باب الأحكام الشرعية التي مرجعها إلى أنّ هذا حلال وهذا حرام ، لأنّ الوجوب والحلّ والحرمة أمور مفهومة لدى الناس ، والإعجاز المتصوّر في الأحكام إنّما هو إعجاز بلحاظ ملاكات الأحكام الشرعيّة والمصالح والمفاسد التي يستند إليها الحكم الشرعي ، ومن الواضح أنّ الإعجاز بلحاظ الملاكات لا دخل له بفهم نفس الأحكام الشرعيّة المبيّنة في القرآن الكريم .
وأمّا الدعوى الثانية - وهي دعوى الإجمال العرضي بلحاظ العلم الإجمالي بابتلائه بورود التخصيصات والتقييدات والتأويل ، ونحو ذلك من الأمور ، فهي أيضا ليست بشيء ، وينقض ذلك بالسّنة الشريفة ، فإنّ حالها حال الكتاب من حيث الابتلاء بالتخصيص والتقييد ونحوها .
والصحيح أنّ هذا البيان غير تام ، لا في القرآن ولا في السنّة ، وذلك لما حقّقناه مفصّلا في بحث العام والخاصّ ، من أنّ هذا العلم الإجمالي
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 243
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٤٣