تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
شرح
وأمّا عدم ابتعاد الشارع كثيرا عن طريقة العقلاء فصحيح على ما نراه من عدم قبول التخصيص والتقييد إلَّا في ثوب معقول عقلائيا وعرفا . فمثلا حينما نقيّده ما ورد من قبول شهادة من لم يعرف فسقه بما دلّ على اشتراط حسن الظاهر نقيّده بثوب أنّ المقصود ممّن لا يعرف فسقه من لم يعرف فسقه بين المرتبطين به من إخوانه وجيرانه لا من لم يعرف فسقه لدى الحاكم . ولعل قولهم أحيانا : إنّ العام الفلاني آب عن التخصيص إشارة إلى فقدان ثوب للتخصيص يقبله العرف ، وإن كان من المحتمل كونه إشارة إلى وجود مزيّة خاصّة من قوّة دلاليّة ، أو مناسبة عرفية ، أو ما شابه ذلك ممّا يجعله آبيا عن التخصيص . وهناك مورد آخر منقول عن أستاذنا الشهيد ( ره ) في دورته الأخيرة لفرض الافتراق بين التمسّك بسيرة العقلاء والتمسّك بسيرة المتشرعة ، وهو الظهورات التي تستنبط من قبل الفقيه الألمعي ، والتي لا يلتفت إليها الإنسان الاعتيادي عادة ، والتي تتوقّف على مناسبات الحكم والموضوع ، أو نكات أخرى دقيقة . والظهورات التي تتمّ بدعوى إلغاء خصوصية مورد النصّ وتعدّي العرف إلى غير المورد . فظهورات من هذا القبيل تشبه الرّأي والقياس ، فيتأتّى احتمال مردوعيتها بأدلَّة الردع عن الرّأي والقياس . صحيح أنّ أدلَّة الردع عن الرّأي والقياس لا يتمّ لها إطلاق لمثل هذه الموارد لأنّ هذه الموارد هي على أي حال داخلة في باب الظهور اللفظي لا في باب التمسّك بذات الرّأي والقياس . لكن احتمال شمول النهي عن الرّأي والقياس لأمثال هذه الظواهر كاف لعدم إمكانية التمسّك بسيرة العقلاء لإثبات حجيّتها ، لأنّ التمسّك بها فرع القطع بعدم الردع الملازم للإمضاء ، وقد جاء احتمال الردع . ففي مثل هذه الموارد لا بدّ من اللجوء إلى سيرة المتشرّعة التي ليس التمسّك بها بحاجة إلى الإمضاء . وقد نقل عن أستاذنا الشهيد ( رحمه الله ) عدّة أجوبة على هذا الكلام : الأوّل : أن هذا المقدار لا يكفي في الردع عن السيرة بعد فرض انعقادها وعموم نكتتها ، إذ لا بدّ من ردع واضح صريح في إرادة ذلك ، فمجرّد التشابه بين بعض الظهورات والقياس أو إعمال الرّأي المردوع عنه - الَّذي هو بنفسه قياس مع الفارق - لا يشكَّل ردعا ، فعدم الردع المناسب ثابت . الثاني - إنّنا نثبت بسيرة العقلاء حجيّة الظواهر التي ليست من هذا القبيل من قبيل العمومات والإطلاقات اللفظية ، والمقامية ، والسياقية ، ثم نتمسّك ببعض هذه الظواهر التي دخلت في القدر المتيقن لإثبات حجّية بقيّة الظواهر . ونذكر هنا طائفتين : 1 - ما دلّ على التمسّك والعمل بكتاب الله والسنّة والرجوع إليها . وموضوع هذه الطائفة هو