ولكن فيه ما لا يخفى ; لوضوح عدم انحصار التحيُّر والتردّد المورد للاستخارة في ذلك ، بل ربّما يكون لأجل احتمال ترتُّب مصالح ومفاسد معنوية على الفعل الذي يريده ، بسبب عوارض وطوارئ خارجية ، لا بمقتضى ذات الفعل المستحب أو الواجب الذي يريد أن يفعله . فيقع حينئذ في حيرة وتردّد لأجل تكافؤ الاحتمالين . فاتضح بهذا البيان عدم اعتبار كون المضارّ والمنافع المحتملة دنيويةً .
وكيف يختص مورد الاستخارة بالتحير الراجع إلى الأمور الدنيوية ولا يشمل التردّد من جهة الأمور المعنوية والأخروية ؟ وقد أمر في جميع نصوص الاستخارة بأن يدعو المستخير ، ويطلب خيرة في عافية ، وما اصطفاه الله واختاره له وما ارتضى به له ، ويطلب من ساحته تعالى أن لا يقع فيما يسخطه الله تعالى ولا يرضى به .
أفلا يكشف ذلك عن خوف المستخير من وقوعه في سخط الله وبعده عن ساحته بالفعل المستخار فيه قبل الاستخارة ؟
وهلاّ يكشف ذلك عن رجوع تردّده وحيرته إلى الأمور المعنوية والأخروية ؟ ! .
بل يمكن أن يقال : إنّ من أهمّ العوامل والأسباب التي تُلجئُ المؤمن المتحيّر إلى الاستخارة : أنّه يرى نفسه وأمره بين سخط الله والبعد من ساحته وبين مرضاة الله والقرب إليه . فلا يدري أنّ ما أراد أن يفعله في أيّ الأمرين يوقعه ، فانّما يكون تحيّره لأجل ذلك .
ثم إنّك قد عرفت من كلامه هذا أنّه لم يفرّق في هذا التعريف بين أنحاء الاستخارة . فانّ كلامه عام شامل للاستخارة بمعناها الأعم الذي بمعنى طلب الخير بمجرد الدعاء والصلاة ، وبمعناها الأخص الذي يكون بافتتاح المصحف أو بالرقاع أو بالسبحة . بل الاستخارة بمعناها الأخص الشايع داخلة في
مباني الفقه الفعال في القواعد الفقهية الأساسية — صفحة 249
مساهمون: علي أكبر السيفي المازندراني
ص٢٤٩