سيرة العقلاء
وأما سيرة العقلاء ، فلا إشكال في استقرار سيرتهم على الاقتراع في الأمور المشكلة التي لا سبيل للعقل والقانون إلى حلّها ، ولا يوجد ساير الأمور المرجّحة لحلّ المشكلة والتخلص من العويصة في موارد اشتباه الحقوق .
كما أشار إليه السيد الإمام ( قدس سره ) بقوله : « ومحصّل الكلام : أنّه لا إشكال في بناءِ العقلاء على العمل بالقرعة في موارد تزاحم الحقوق ، مع عدم الترجيح عندهم . . . وبالجملة : القرعة لدى العقلاء أحد طرق فصل الخصومة ، لكن في مورد لا يكون ترجيحٌ في البين ولا طريق لاحراز الواقع » ( 1 ) .
وأما الاستدلال بقصة يونس النبي ( صلى الله عليه وآله ) المحكية في القرآن لإثبات جريان سيرة العقلاء في القرعة ، كما عن السيد الإمام الراحل ( قدس سره ) ( 2 ) فيمكن المناقشة فيه بأن أصحاب السفينة لعلّهم كانوا متشرعين ببعض الأديان السالفة . فان احتمال ذلك يهدم أساس الاستدلال المزبور . وكذا قضية تكفّل مريم ( عليها السلام ) ومقارعة بني
هامش
( 1 ) الرسائل : ج 1 ، ص 346 .
( 2 ) حيث قال : ويشهد لما ذكرنا مضافاً إلى وضوحه : قضية مساهمة أصحاب السفينة التي فيها يونس فعلى نقل كانت المقارعة من قبيل الأوّل والعثور على العبد الآبق وعلى نقل كانت من قبيل الثاني لأنّهم أشرفوا على الغرق فرأوا طرح واحد منهم لنجاة الباقين وهذا أقرب إلى الاعتبار ، ومعلوم أن مساهمتهم لم تكن لدليل شرعي بل لبناء عملي عقلائي بعد عدم الترجيح بينهم بنظرهم ، وقضية مساهمة أحبار بيت المقدس لتكفّل مريم ( عليها السلام ) كما أخبر بها الله تعالى إذ قال : ( وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيّهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) تدل على أنّ العقلاء بحسب ارتكازهم يتشبثون بالقرعة عند الاختصام وعدم الترجيح ، وهذه من قبيل الثاني كما أنّ غالب المقارعات العقلائية لعلها من هذا القبيل كالمقارعات المتداولة في هذا العصر .
وكذا يشهد لتعارفها قضية مقارعة بني يعقوب ومقارعة رسول الله قريشاً في بناء البيت ، بل مقارعته بين نسائه ، فان الظاهر أنّها كانت من جهة الأمر العقلائي لا الحكم الشرعي . / الرسائل : ج 1 ، ص 346 .