وهذه التسعيرات كلها اعتبارية لا أثر لها شرعا وفقهيا . وإنما يحس الفرد أنها كانت دخيلة في الحكمة الإلهية لاختيار هذه الأرقام بعينها للدية مختلف أنواعها . والحكمة الإلهية لا يمكن مناقشتها . وسيأتي في الجهة الآتية بعض الإيضاحات حول تفاصيل ذلك .
الجهة الثالثة : في محاولة الجواب على أهم الأسئلة الواردة حول الدية عامة ومداليل تلك الروايات خاصة
السؤال الأول : إن الروايات السابقة دلت على شكلين من أعمار الإبل في دية شبه العمد . فبأي منهما نأخذ ؟
الشكل الأول : ما دلت عليه صحيحة لعلاء بن الفضيل من كونها ثلاثا وثلاثون حقة وثلاثا وثلاثون جذعة وأربعا وثلاثون ثنية وهي بنت اللبون .
الشكل الثاني : ما دلت عليه رواية العياشي : من كون الدية خمسا وعشرون بنت لبون وخمسا وعشرون بنت مخاض وخمسا وعشرون حقة وخمسا وعشرون جذعة .
إلَّا أن هذا التعارض بين الروايتين وهمي ، لأن رواية العياشي تنص على أن هذا الشكل الثاني إنما هو للخطإ المحض . وتعد من الإبل ما يشبه صحيحة الفضيل في شبه العمد . كل ما في الأمر أننا إن اعتبرنا رواية العياشي حجة لزمنا التعبد بالشكل الثاني من أعمار الإبل في الخطأ المحض ولم يجز مطلق المائة كيف كان .
السؤال الثاني : إن رواية جميل بن دراج تنص على أنه يؤخذ من أصحاب الحلل الحلل ومن أصحاب الإبل الإبل ومن أصحاب الغنم الغنم ومن أصحاب البقر البقر . فهل يعني ذلك تعيين الحكم وجوبا أم لا . بمعنى أن شخصا من أصحاب الإبل أراد دفع الدية من الغنم أو من البقر ، فإنها لا تكون مجزية .
وجواب ذلك : إن المستفاد بوضوح من هذا الجعل الشرعي إنما هو لأجل التسهيل على الناس ، فيدفع كل منهم ما هو متيسر لديه من الأموال