وهذا الأخير هو أحوط الإشكال ، بل لعله راجع إلى المعاني السابقة عليه . فإن محافظة الفرد على أمواله لا تكون مكثفة عادة . فإن كان الشيء مما يعتاد عرفا المحافظة المكثفة عليه كالحلي ، وكان يعمله الفرد في أموال نفسه ، وجب أن يعمله في أموال غيره أيضا . وصدق أيضا أنه قد تعدى وفرط به ان لم يعمل ذلك .
بل لعل الحفاظ على أموال الغير أحيانا تكون أكثر من أموال الفرد فقد يكون الفرد مهملا لأموال نفسه أو بعضها على الأقل . ولكن يحرم أن يكون مهملا لأموال الغير بكل صورة . فلو قلنا له : حافظ عليها كما تحافظ على أموال نفسك تسبب ذلك إلى إهماله إياها . بل يجب عليه أن يحافظ عليها أكثر .
ومن هنا قلنا : إنه يجب أن يحافظ الفرد على أموال غيره كما يحافظ على أموال نفسه عادة . أي بالشكل المعتاد الذي يحافظ به الناس الأسوياء على أموالهم . والمهمل ليس سويّا من هذه الناحية .
والتعدي والتفريط ، يتضمنان معنى عدم المحافظة بالشكل المطلوب والتسبب إلى الإتلاف لو استمر الإهمال . والتفريط في اللغة عرفنا أنه هو التقصير والضياع . ومن هنا استعمله الفقهاء في معنى ( ترك ما يجب فعله ) من أعمال المحافظة والصيانة . كإعطاء الحيوان علفا . فلو ترك ذلك حتى أضرّ به أو مات ، كان الفاعل مفرّطا . ولا يسمى متعديا . لأنه إنما كان ذلك ناتجا عن إهمال وترك لا من فعل ونشاط .
وأما التعدي في اللغة فقد عرفنا أنه هو العدوان والظلم . وهو يتضمن معنى إيجابيا أعني الفعل وليس مجرد الإهمال . كما لو ضرب الزجاج المملوك للغير فكسره فيكون متعديا ولا يسمى مفرطا ، لأن عمله يحتوي على فاعلية ونشاط وليس من إهمال . ومن هذا كان التعدي هو ( فعل ما يجب تركه ) تضرب الزجاج في المثال الذي يجب تركه وتجنبه لتحصل المحافظة عليه .
ما وراء الفقه — صفحة 326
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٢٦