فإننا قلنا إن الأموال المودعة في المصارف المتعارفة إنما هي أموال مجهولة المالك ، وحكم المال المجهول المالك فقهيا ، هو إمكان قبضه قبضا شرعيا ، فيكون ملكا لمن قبضه .
والمهم الآن ليس هو الحديث عن الساحب بل الحديث عن المصرف نفسه ، فله أن يطبق حكم مجهول المالك على الكمية الموقوفة من الأموال وتصبح ملكا له ويطبق عليها ما يشاء .
إلَّا أن هذا الوجه ليس بصحيح إلَّا في حدود الأموال التي تكون من حين إيداعها مجهولة المالك . وأما بدون ذلك ، كما هو المفروض ، أعني حين تكون الودائع مملوكة لأصحابها من أول الأمر . فهذا الوجه غير تام . لأن النظر ليس إلى تكليف الساحب فقهيا ، بل إلى تكليف المصرف نفسه ومن هذه الزاوية لا تكون الأموال مجهولة المالك لأننا نعلم إجمالا أن هذا الفرد الغائب ممن يملك في الودائع شيئا . وهذا يكفي في لزوم بقاء تلك الكمية على ملكه .
ولو تنزلنا جدلا عن ذلك ، وفرضنا المال مجهول المالك بقيت إمامنا نقطتان فقهيتان إحداهما كبرى والأخرى صغرى بالاصطلاح المنطقي .
أما الكبرى : فإن الأموال مجهولة المالك لا يجوز ولا ينفذ قبضها قبضا شرعيا إلَّا بإجازة الولي العادل . فإن حصلت جاز القبض وأصبح نافذا ، وإلَّا فلا .
وأمّا الصغرى : فإن المصارف لا تطبق هذه الكبرى بطبيعة الحال . الأمر الذي يجعل المصادرة غير جائزة شرعا .
وعلى أي حال ، فإذا تم أحد هذه الوجوه أو كان له تطبيق من حيث الجواز الفقهي للمصادرة ، كما ذكرنا خلالها ، فهو المطلوب . وإلَّا بقيت على الأصل الأولي من الحرمة . لا يختلف في ذلك مضي المدة ولا كمية المال كالدينارين والعشرة دنانير ونحوها . فإنهما جميعا من استحقاق مالكيها مهما طال الزمن ما لم تصدق فقهيا بعض الوجوه السابقة .
ما وراء الفقه — صفحة 177
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٧٧