فإن هذا الكلام الذي نسميه دعاء ، لا يكون دعاء إلا تحت شروط معينة نفسية وخارجية ولفظية ، وبدونه يخرج عن كونه دعاء بطبيعة الحال وإن كان ظاهر الكلام في اللغة هو ذلك . وقد شرحت هذه الشروط في السنة الشريفة وليس هذا البحث محل سردها . غير أن الذي أعتقده باختصار أن الدعاء إنما يحصل ويصدق ، فيما إذا حصل الطلب بإخلاص وتوجه فهذه ثلاث عناصر :
العنصر الأول : الطلب . يعني أن يريد العبد من ربه شيئا من الأشياء .
وهذا يتوفر لدى العبد مع شيء من حسن الإيمان .
العنصر الثاني : التوجه . بمعنى أن يدرك العبد أنه يخاطب الخالق سبحانه وأنه أسمع السامعين وأبصر الناظرين . لا أن الفرد الداعي يتكلم في الفضاء كلاما لا يعلم أين يوجهه .
والتوجه الأهم إنما هو بالقلب ، وهو أن يدرك أنه يتكلم بين يدي الخالق العظيم سبحانه .
العنصر الثالث : الإخلاص في النية . وهو خلوها من الشك والاعتراض ، سواء كان من قبيل الشك في الخالق والعياذ باللَّه ، أو الشك في حكمته أو الاعتراض على القضاء والقدر أو حسبان الفرد نفسه بريئا من الذنوب والعيوب والأخطاء ، حيث يقول : ماذا فعلت لكي أستحق مثل هذه العقوبة ؟ وهكذا .
فإذا اكتسب الكلام الذي نسميه دعاء بعض هذه الصفات الدنيئة لم يكن دعاء . وإذا لم يكن دعاء يخرج عن الوعد الإلهي بالإجابة * ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) * لأن العبد عندئذ لم يدع حقيقة وإن كان قد دعا ظاهرا .
فالدعاء لم يحصل فالإجابة لا تحصل . وهذه قاعدة عامة لكل دعاء بما فيه دعاء الاستخارة .
المستوي الثاني : ان الدعاء إذا حصل بحصول التوجه والإخلاص ، فإن الوعد بالإجابة قطعي في الآية الكريمة . إلا أنها مع ذلك لا تخلو من إطلاق
ما وراء الفقه — صفحة 203
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٠٣