لا يوجد في الشريعة الإسلامية ما يمنع عن فكرة التمثيل بحيال ذاتها ، ما لم تقترن بمحرمات إسلامية كالكذب والغيبة ورؤية ما يحرم من الجنس الآخر والغناء خلالها ونحو ذلك . فلو تجردت التمثيلية من كل ذلك لم يكن فيها بأس .
فإن قيل فقهيا : إن التمثيل حرام لكونه كذبا . لأن القصة إما أن تكون غير واقعية ، فكلها كذب . وإما أن تكون واقعية ، فبعضها كذب ، لأننا لا نعلم بالضبط كيف كان الواقع التاريخي ، ولا شك أن في هذا النص زيادات واختلافات عن الواقع التاريخي ، فيكون كذبا .
بل الأمر أوضح وأكثر من ذلك ، وذلك : لأن الممثل يدعي شخصية شخص آخر واقعي أو وهمي ويتحدث عنه . وينسب لنفسه أعمالا أو أقوالا أو عناوين هو منها براء ، في واقع حياته ، فيكون كل ذلك كذبا . فكيف يكون حلالا . مع أن حرمة الكذب تعتبر من ضروريات الدين والفقه ، وعليه إجماع علماء الإسلام .
إلا أن هذا الكلام غير تام لأنه موقوف على تحقيق نكتة واحدة فقهيا ، وحاصلها : أن الإنسان إذا تكلم بكلام وأقام قرينة متصلة ودلالة واضحة على كون كلامه كذبا فعلا ، فهل يكون هذا داخلا في الكذب موضوعا ومحمولا .
يعني من الكذب الحرام أو خارجا عنه موضوعا أو محمولا .
والصحيح أنه كذب من الناحية العملية ، فهو داخل فيه موضوعا ، لأن الكذب ليس إلا الأخبار بما يخالف الواقع . وهذا كذلك على الفرض .
إلا أنه خارج عنه محمولا ، يعني لا يشمله الحكم بالحرمة . لأن جميع الأدلة منصرفة عنه ، ومختصة بالكذب الذي يمكن أن يترتب عليه المحذور والمضاعفات خارجا . ومن المعلوم أن الفرد إذا أكد على أن كلامه كاذب بشكل مباشر وسريع ، بل كان الكلام نفسه قائما على ذلك ، لم يكن له أية مضاعفات .
ولعل من أوضح الأدلة بهذا الصدد قوله تعالى * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ ) *
ما وراء الفقه — صفحة 178
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٧٨