الجواب لا يكون إلا بعد السؤال ، والتحية ليست سؤالا .
والتسمية بالرد هنا له أحد مناشئ :
المنشأ الأول : منطلق من أن فاعل التحية أعطاه التحية حين ابتدأه بها .
ولا بد من الناحية الأخلاقية والشرعية ، أن لا تبقى عنده بل يردها إلى صاحبها . وهذا هو الرد .
المنشأ الثاني : منطلق من أن فاعل التحية جعل بتحيته حقا في عهدة الآخر لا بد له من الخروج منه بالجواب أو الرد . ومن هنا يسمى ردا لأنه رد الحق إلى صاحبه .
المنشأ الثالث : أن تساق التحية مساق السؤال وتقاس عليه . فإن جواب السؤال رد أيضا في اللغة والعرف . ولذا نقول : لم يرد عليه الجواب . فأصبح كل ابتداء كلامي له درجة من استحقاق الرد أو الإسماع المقابل . أسمعه كما أسمعك .
وأفضل هذه الوجوه هو الثاني ، وإن كان يمكن إرجاعها جميعا بالدقة إلى وجه واحد ، ليس بعيدا عن المعنى الثاني كثيرا .
الأمر الخامس : أنه قد سمّت الآية الكريمة الرد تحية بقوله تعالى :
* ( فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها ) * . وإنما هو نوع من الرد وإن كان بالأحسن .
وهذا له أحد منشأين :
المنشأ الأول : إن الرد لو لوحظ بحيال ذاته فهو تحية ومجاملة وخلق ، لا شك في ذلك . فاستعمال التحية فيه مناسب جدا .
المنشأ الثاني : في النظر إلى الفرق بين الرد المساوي والرد الأحسن ، والآية الكريمة قد سمت الرد الأحسن تحية دون المساوي . فقد يكون هذا بلحاظ ما في الرد من زيادة على الأصل ، فإنه بالدقة يكون ابتداء في التفضل وليس ردا مجردا . فبلحاظ هذا الزائد ، سماه تحية .
ما وراء الفقه — صفحة 148
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٤٨