تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج نهج البلاغة — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
الدّنيا في عينه حقيرة ، امّا الورع فهو الَّذى يتنزّه عن المعاصي . والزاهد هو الَّذى يتنزّه عن أكثر المباحات مع القدرة والتمكَّن ، ولا يدّخر الدنيا . والزّاهد المطلق هو الَّذى لا يضيّع عمره في اكتساب اللَّذّات الدّنياويّة ، ويقبل على الَّلذّات الموعودة في العقبى . وهذا بيع يتبعه ربح عظيم . قال اللَّه ، تعالى : * ( إِنَّ الله اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * . فلذلك قال أمير المؤمنين : الزّهد ثروة ، لانّه باع الفاني واشترى الباقي ، والثّروة بالباقي دون الفاني . ( 1932 ) واعلم أن بيع الدنيا بالآخرة زهد ضعيف عند بعض العارفين ، لان مطلب العارف هو النسبة الشريفة الَّتى بين العبد والمعبود ، وهو الرضوان الأكبر . ولهذا العارف ولاية ان يأخذ الأموال ويتصرّف فيها ، ويضعها في مواضعها ، كما فعل أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب . وكان العارف مع أموال الدّنيا في يده زاهدا ، وربما كان الفقير الَّذى لا يقدر على درهم واحد غير زاهد ، لانّ قلبه معلَّق بالدّنيا ، والعارف منقطع عن الدنيا غير ملتفت إليها ، ولا يشتغل بطلب الدنيا ، ولا يتركها ، بل لا يشغله الدّنيا من طريق الطلب ومن طريق الانقطاع والهرب عنها ، وبينه وبين الدنيا لا وصل ولا انقطاع ، مثال ذلك انّك ترى انسانا في مدينة أو سفر ، ولا صداقة بينه وبينك ولا عداوة ، لانّ العداوة أيضا نوع من الاشتغال بالدنيا . وهذا لا يتيسّر لكل أحد ، بل لنادر في كلّ زمان . ( 1933 ) وقال واحد لعبد اللَّه بن المبارك : يا زاهد . فقال : الزاهد هو ( 189 ر ) عمر بن عبد العزيز ، فانّه متصرّف في أموال الدّنيا ، وهو مع ذلك زاهد فيها . فامّا انا فلا أقدر على درهم واحد ، فكيف أكون زاهدا . ( 1934 ) وأقول : ترك الطلب أيضا ، لانّ من لا يقدر على الدّنيا ، ويطلبها سرّا وعلانية ، فليس بزاهد ، بل هو ممّن خسر الدّنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين .

الحكمة 4

( 1935 ) قوله : العلم وراثة كريمة ، تقدّم الكلام في العلم وفضيلته ، والعلم النافع الذي طلبه فريضة .