والقديم يستحيل ان يشبه كلّ محدث ، فمعناه باشتباهها يدلّ على انّه لا شبه له منها .
( 1161 ) ووجه آخر وهو انّ الآشياء المتماثلة في الصورة والخلقة ، يدل على انّ فاعل كلّ واحد منها علم بحقيقته كلّ شئ حتّى يمكنه ان يأتي بالثاني كانّه غير الاوّل في الصورة في غاية التماثل والاشتباه والموافقة .
وكلّ فاعل سواه لا يتأتّى منه ولا يصحّ الموافقة بين افعاله حتّى لا يميّز بعضها من بعض . فغاية التشابه في افعال اللَّه ، تعالى ، دلالة على مخالفته لساير الأشياء ، من حيث انّ افعاله يتشابه تشابها لا مزيد عليه في العقل ، ومخالفته لساير العالمين لا يصحّ حتّى يستغنى عن العالم ، ولن يستغنى عنه حتى يكون قديما ، وهذا مما يحتمله ، قوله : وباشتباههم على أن لا شبه له .
( 1162 ) وقال أيضا واحد من العلماء : كلّ ما وجد بعد العدم فهو صنع اللَّه ، وفيه من العجائب والغرايب ما لا يحصى . وصنع اللَّه ينقسم قسمين : قسم لنا به علم وشعور ، وقسم ليس لنا به علم وشعور . وهذان القسمان في قوله ، تعالى : * ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ ومِنْ أَنْفُسِهِمْ ومِمَّا لا يَعْلَمُونَ ) * . واما القسم الَّذى لنا به علم ، ( 119 ر ) فينقسم قسمين : قسم يدركه حاسّة البصر ، وقسم لا يدركه البصر ، مثل العرش والكرسىّ والملائكة والشياطين والجنّ . والذي يدركه البصر السماء والأرض والكواكب والآثار العلويّة والجمادات والحيوانات والنّبات . فالتفكَّر في هذا القسم المدرك المرئىّ المخلوق يدلّ على وجود الصّانع القديم ، تبارك وتعالى . كما قال اللَّه ، تعالى : * ( أَولَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأَرْضِ وما خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ ) * .
( 1163 ) فاوّل ما يجب على الانسان ، كما قال اللَّه ، تعالى : * ( وفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) * ، فاوّله نطفة ومنبعها الصّلب والتّرائب . فصيّرها اللَّه شبيهة ببذر ، وصيّر القرار المكين مزرعها وسقاها دم الحيض كما يسقى الدهقان زرعه . كما قال : * ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ
معارج نهج البلاغة — صفحة 242
مساهمون: علي بن زيد البيهقي
ص٢٤٢