قال : وأَقامتْ قريش بعَرَبَةَ فَتَنَخَّتْ بها ، وانتَشَرَ سائر العرب في جزيرتها ، فنُسِبوا كلُّهم إِلى عَرَبةَ ، لأَنَّ أَباهم اسمعيلَ ، صلى اللَّه عليه وسلم ، بها نَشأَ ، ورَبَلَ أَولادُه فيها ، فَكَثُروا ، فلما لم تَحْتَملهم البلادُ ، انتشروا وأَقامت قريش بها .
وروي عن أَبي بكر الصديق ، رضي اللَّه عنه ، أَنه قال : قريشٌ هم أَوْسَطُ العَرَبِ في العَرب داراً ، وأَحْسَنُه جِواراً ، وأَعْرَبه أَلسِنةً .
وقال قتادةُ : كانت قريش تَجْتَبي ، أَي تَختار ، أَفضل لغاتِ العَرب ، حتى صار أَفضلَ لغاتِها لغَتُها ، فنزل القرآن بها .
قال الأَزهري : وجعلَ اللَّه ، عز وجل ، القرآنَ المُنزَلَ على النبي المرسل محمد ، صلى اللَّه عليه وسلم ، عَرَبيّاً ، لأِنه نسَبه إلى العَرب الذين أَنزله بلسانهم ، وهم النبي والمهاجرون والأَنصار الذين صيغَة لسانهم لغةُ العرب ، في باديتها وقراها ، العربية ، وجعَل النبيَّ ، صلى اللَّه عليه وسلم ، عَربيّاً لأَنه من صريح العرب ، ولو أَنَّ قَوْماً من الأَعراب الذين يَسْكُنون الباديةَ حضَروا القرى العربية وغيرها ، وتَناءَوا معهم فيها ، سُمُّوا عَرَباً ولم يُسَمُّوا أَعْراباً .
وتقول : رجلٌ عَرَبيُّ اللسانِ إِذا كان فصيحا ، وقال الليث : يجوز أَن يقال رجلٌ عَرَبانيُّ اللسان .
قال : والعَرَبُ المُسْتَعِربةُ هم الذين دخلوا فيهم بعدُ ، فاستَعْربوا .
قال الأَزهري : المُسْتَعْربةُ عندي قومٌ من الَعَجم دخلوا في العَرب ، فتَكَلَّموا بلِسانهم ، وحَكَوا هَيئاتِهم ، وليسوا بصُرَحاء فيهم .
وقال الليث : تَعَرَّبوا مثل اسْتَعْرَبوا .
قال الأَزهري : ويكون التَّعَرُّبُ أَنْ يَرجِعَ إِلى البادية ، بعد ما كان مُقيماً بالحَضَر ، فيُلْحَقَ بالأَعْراب .
ويكون التَّعَرُّبُ المُقامَ بالبادية ، ومنه قول الشاعر :
تَعَرَّب آبائي فهلَّا وقاهُمُ ، * من المَوتِ ، رَمْلا عالِجٍ وزَرودِ
يقول : أَقام آبائي بالبادية ، ولم يَحْضُروا القُرى .
ورُوي عن النبي ، صلى اللَّه عليه وسلم ، أَنه قال : الثَّيِّبُ تُعْربُ عن نَفسها أَي تُفْصِحُ .
وفي حَديث آخر : الثَّيِّبُ يُعْربُ عنها لسانها ، والبِكرُ تُسْتَاْمَرُ في نَفْسِها .
وقال أَبو عبيد : هذا الحَرفُ جاءَ في الحديث يُعربُ ، بالتخفيف .
وقال الفراء : إِنما هو يُعَرِّب ، بالتشديد .
يُقال : عَرَّبْتُ عن القوم إِذا تكلمتَ عنهم ، واحْتَجَجْتَ لهم ، وقيل : ان أَعربَ بمعنى عَرَّبَ .
وقال الأَزهري : الإِعْرابُ والتَّعْريبُ معناهما واحد ، وهو الإِبانةُ ، يقال : أَعْرَبَ عنه لِسانه وعَرَّبَ أَي أَبانَ وأَفصَحَ .
وأَعْرَبَ عن الرَّجل : بَيَّنَ عنه .
وعَرَّبَ عنه : تَكَلَّمَ بِحُجَّتِه .
وحكى ابن الأَثير عن ابن قتيبة : الصوابُ يُعْرِبُ عنها ، بالتخفيف .
وإِنما سُمِّيَ الإِعراب إِعراباً ، لتبيينه وإِيضاحه ، قال : وكلا القولين لغتان متساويتان ، بمعنى الإِبانة والإِيضاح .
ومنه الحديث الآخر : فإِنما كان يُعْربُ عما في قلبه لسانه .
ومنه حديث التَّيْمي : كانوا يَسْتَحِبُّون أَن يُلَقِّنوا الصَّبيَّ ، حين يُعَرِّبُ ، أَن يقول : لا إِله إِلَّا اللَّه ، سبع مرات أَي حين يَنْطِقُ ويتكلم .
وفي حديث السَّقيفةِ : أَعْربُهم أَحساباً أَي أَبْيَنُهم وأَوضَحُهم .
ويقال : أَعْربْ عما في ضميرك أَي أَبِنْ .
ومن هذا يقال للرجل الذي أَفْصَحَ بالكلام : أَعْرَبَ .
وقال أَبو زيد الأَنصاري : يقال أَعْربَ الأَعجَمِيُّ إِعْراباً ، وتَعَرَّبَ تَعَرُّباً ، واستَعْرَبَ استِعْراباً : كلُّ ذلك للأَغْتَمِ دون
لسان العرب — صفحة 588
مساهمون: ابن منظور
ص٥٨٨